حركة التاريخ لا تتوقف، وإنما هي سلسلة من التحديات في العديد من المحطات تقابلها الأمم الحية بالاستجابات الملائمة حين تقرر بإرادة المقاومة القبول بمواجهة التحدي.

ولأن كتاب التاريخ لا يمكن قراءته من آخر صفحة من دون العودة إلى الصفحة الأولى، كما لا يمكن استخلاص دروسه بصورة انتقائية تأسيساً على حادثة واحدة مفصولة عما قبلها أو غير متواصلة مع ما بعدها، فإن تعرض جيش ما للهزيمة العسكرية فى معركة من المعارك،

فليس معنى ذلك القبول بالاستسلام، وإنما المهم هو من يكسب الحرب في النهاية، حدث ذلك عندما تعرض الأسطول الأميركي لهزيمة قاسية في «بيرل هاربور» على يد القوات الجوية اليابانية، لكن تواصلت المعارك حتى فرضت بالقنبلة الذرية استسلام اليابان..وحدث ذلك أيضا مع هزيمة مهينة للقوات البريطانية في معركة «دانكرك»، ولكن النصر في الحرب كان لصالح الحلفاء في النهاية..

وإن قيام دولة ما باحتلال دولة أخرى في حقبة معينة ومهما طال أمد ذلك الاحتلال فليس ذلك نهاية التاريخ، كما أنه بالتأكيد ليس بدايته، وإنما هو صفحة واحدة من بين صفحاته يمثل تحدياً يستلزم الاستجابة له بخيارين، إما بالاستسلام وإما بالمقاومة.. ودائماً كانت إحدى دروس التاريخ هي المقاومة رفضاً للاحتلال، واستجابة للتحدي، ودائماً كانت إحدى النتائج الثابتة هي انتصار المقاومين ضد المحتلين، والمظلومين ضد المعتدين، مهما طال أمد الاحتلال ومهما بلغ جبروت المعتدين.

يثبت ذلك التاريخ نفسه لمن يريد القراءة، وإلا فأين الامبراطوريات القديمة؟ الامبراطوريات الاستعمارية الحديثة؟، البريطانية مثلا التي كانت لا تغيب عنها الشمس والتي غابت شمسها بعد معركة السويس.. أو الفرنسية التي أجبرتها ثورة المليون شهيد في الجزائر على طي أعلامها، وشروق شمس الحرية.

الأمم الحية كما يثبت التاريخ لا تستسلم للهزيمة ولا تسلم بالاحتلال وإنما تقاوم العدوان، وحينما واجهت الأمة العربية عدوان الخامس من يونيو عام 1967 وما نتج عنه من احتلال إسرائيلي لأراضي ثلاث دول عربية في سيناء المصرية والضفة وغزة الفلسطينية والجولان السورية، حاول البعض تكريس ثقافة الهزيمة وثقافة الاستسلام، متصوراً بالوهم أو بالمُنيَ أنها الصفحة الأخيرة في كتاب التاريخ..

وعندما انشغل البعض في جدال لا يغير الواقع المر، بقدر ما يزيده مرارة، هل هي نكسة أم هزيمة؟!.. كان هناك من الرجال من يستلهم إرادة الشعب المصري الرافضة للقبول بالانكسار، وإرادة الشعب العربي الداعية إلى المقاومة لتحقيق الانتصار.

كان هناك في قمة القيادة المصرية والسورية والفلسطينية من لا ينشغلون بالجدل الفارغ، وإنما كان شاغلهم الأساس هو المقاومة لتحرير الأرض التي احتلت، وإعادة بناء القوات المسلحة للرد على العدوان، فماذا يهم الاسم والاحتلال هو الاحتلال تحت كل الأسماء؟!

وجاءت معركة البحرية المصرية بإغراق المدمرة الإسرائيلية «إيلات» بعد أيام قليلة من العدوان، لتعلن للعدو والصديق أن الشعب العربي قرر الاستجابة للتحدي وبدأ مقاومة العدوان.

وتلت ذلك معارك «رأس العش» في مصر و«الكرامة» في الأردن، وعمليات المقاومة في فلسطين لتؤكد للجميع أن قطعة من أرضنا قد تسقط تحت الاحتلال، لكن رقعة من إرادة المقاومة والتحرير لا يمكن أن تسقط.

ثم جاءت حرب الاستنزاف التي أنزلت بالعدو الإسرائيلي من الخسائر ما فاق خسائره في حربي 67، 56. ويكفي أنه حين تقدم « روجرز» وزير الخارجية الأميركي بمبادرته المعروفة، كان ذلك بعد ما سمي بأسبوع التساقط السريع لطائرات العدو «الفانتوم» و«السكاي هوك» الأميركية بفعل حائط صواريخ «سام» الروسية، عندما سقط للعدو 12 طائرة على جبهة القتال المصرية في أسبوع واحد.

لم تستسلم مصر ولم تغرق في ثقافة الهزيمة وإنما استغرقت في ثقافة المقاومة للإعداد للمعركة الكبرى لتحرير الأرض، وعندما تسلم الرئيس الراحل أنور السادات الراية من جمال عبد الناصر وبدا للكثيرين أن مصر لن تحارب، كان أنور السادات مع أخيه الرئيس الراحل حافظ الأسد يخططان في صمت لمعركة السادس من أكتوبر المجيدة التي كتبت صفحة جديدة من التاريخ عنوانها ثقافة النصر وليس الهزيمة.

لم تكن معركة مصر وحدها، ولكنها كانت ثأراً عربياً للكرامة العربية.. كانت معركة العرب جميعاً بقيادة مصر، كانت معركة «إتحاد الجمهوريات العربية» في الأساس الذي كان يضم مصر وسوريا وليبيا، وكانت معركة «البترول العربي» ولا يمكن أن ننسى أن العرب عند التحديات الكبرى أمة كبرى، فكانت وقفة الملك فيصل، وكانت مقولة الشيخ زايد الخالدة «النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي».

وكانت معركة الشقيق اليمني الذي أغلق باب المندب جنوب البحر الأحمر على الملاحة الإسرائيلية، وكانت معركة المغرب العربي الذي أسهمت فيها المغرب بثلثي جيشها وأسهمت فيها الجزائر بقواتها وطائراتها، وكانت معركة الشقيق العراقي الذي ساهم بقواته على الجبهتين السورية والأردنية، وكان السودان الشقيق هو العمق الاستراتيجي لمصر وكانت أرضه هي ساحة حشد القوات.

كانت 6 أكتوبر معركة مصرية عربية خالدة ضربت في الصميم أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وأضافت للكرامة العربية بدماء الشهداء الأبطال صفحة مضيئة في كتاب التاريخ، وبعد تحرير سيناء المصرية لا تزال صفحاته مفتوحة لنواصل بالوحدة وبإرادة المقاومة كتابة سطوره في القدس والضفة الفلسطينية والجولان السورية وشبعا اللبنانية والعراق العربي، للعبور بأمتنا من مستوى واقعها إلى مستوى أمانيها.

كاتب مصري