تتعرض الأراضي الفلسطينية خاصة في قطاع غزة لنوعين من التجاوزات، أولها وأكثرها تكرارا هي تلك التي تقوم بها وتمارسها القوات الاسرائيلية لأسباب ومبررات تسوقها اسرائيل أو تتعلل بها لممارسة مخططها المتمثل في الابقاء على درجة عالية من التوتر في الاراضي الفلسطينية المحتلة.

أما النوع الثاني من التجاوزات فإنه لا يقل خطورة في الواقع والاكثر من ذلك انه يصب في النهاية في مصلحة اسرائيل ويتعارض على نحو واضح مع المصالح الوطنية الفلسطينية.

والخطير في هذه التجاوزات يتمثل في انها تتم بأيد فلسطينية ومن منطلق حسابات محدودة لهذا الفصيل الفلسطيني او ذاك وهي حسابات ضيقة في النهاية ولا ترقى على اي نحو الى مستوى المصالح الوطنية الفلسطينية بغض النظر عن اية ادعاءات او تبريرات يطرحها هذا الفريق او ذاك.

ومع الترحيب باتفاق الفصائل الفلسطينية على تجاوز الاحتكاكات التي جرت في الايام الاخيرة بين حركة حماس والشرطة الفلسطينية والتأكيد مرة اخرى على التمسك بمبدأ عدم استخدام السلاح لحل اية خلافات داخلية فلسطينية، فإن الخطورة التي انطوت عليها الاحتكاكات الاخيرة تمثلت في استهداف بعض مراكز الشرطة الفلسطينية بواسطة مسلحي حماس وتهديد حركة حماس بأنها قد تنسحب من لجنة المتابعة العليا التي تضم ممثلي الفصائل الفلسطينية.

لأن اللجنة استنكرت استهداف مراكز الشرطة الفلسطينية من ناحية، والعودة الى اسلوب اختطاف بعض المسؤولين الامنيين وبعض الشخصيات الفلسطينية وغير الفلسطينية وهو اسلوب جديد بالفعل على النضال الفلسطيني وعلى تقاليد التعامل بين الفصائل والقوى الفلسطينية على امتداد العقود الماضية من ناحية ثانية.

على اية حال فانه مع التأكيد على خطورة هذه الممارسات والتجاوزات بشكل عام لانعكاساتها السلبية على العلاقات بين الفصائل الفلسطينية، فان خطورتها تزداد في ظل الظروف الفلسطينية الراهنة بشكل خاص نظرا لأنها تسهم بشكل كبير في تشويه صورة الفلسطينيين خاصة على الصعيد الخارجي وتخدم في النهاية الادعاءات الاسرائيلية التي تروج لمقولة عدم قدرة الفلسطينيين على تحمل اعباء ادارة شؤونهم في اطار دولة مستقلة وان الخلافات بين الفصائل الفلسطينية عميقة وواسعة وهدف اسرائيل من الترويج لمثل هذه الادعاءات معروف ومفضوح كذلك .

ومع التأكيد على أهمية وضرورة ارتفاع كل الفصائل والاطراف الفلسطينية الى مستوى التحديات التي يواجهها الفلسطينيون في هذه الفترة الحرجة بالنسبة للحاضر والمستقبل، فان الحفاظ على الوحدة الوطنية الفلسطينية وصيانتها وتعزيزها هو في النهاية مسؤولية كل الفصائل والاطراف الفلسطينية دون استثناء، بل الاكثر من ذلك ان الوحدة الوطنية الفلسطينية هي في الواقع السياج الذي يحمي المصالح الوطنية الفلسطينية التي تجب اية مصالح ضيقة اخرى.

لأن المصالح الوطنية الفلسطينية هي في النهاية مصالح كل الشعب الفلسطيني بكل فصائله وقواه دون استثناء وعلى ذلك فانه من الخطر والخطورة ان يدعي اي فصيل فلسطيني انه وحده من يحتكر او يحدد المصلحة الفلسطينية وانه لايلتزم بما يخالف مواقفه ورؤيته في ظرف او آخر .

وإذا كان الفلسطينيون قد عانوا الكثير خلال السنوات الماضية من جراء التناحر الداخلي والرغبة في الاستئثار بالقرار الفلسطيني او بصياغة الخيارات الفلسطينية او في فرض خطوط محددة على الساحة الفلسطينية، فان الواقع الفلسطيني الآن في غير حاجة الى مزيد من الخلافات او استنزاف القوة الفلسطينية والتطوع لخدمة المخططات الاسرائيلية بشكل او بآخر، فهل نتعظ ؟