بالعشرات اقتحموا قاعة البرلمان الفلسطيني في غزة يطلقون الرصاص المتسارع من رشاشات تحملها سواعد فتية وقوية وذلك من أجل مطالبة السلطة الفلسطينية «بأن تتخذ موقفاً من حماس». وكان التساؤل الفوري الذي قفز إلى ذهني واعتمل قطعاً في أذهان الملايين من فئات الشعب الفلسطيني هو: أين كان هؤلاء الشباب برشاشاتهم وسواعدهم المفتولة .

بينما كانت القوات الإسرائيلية تمارس قبل أيام فقط القتل الجماعي العشوائي لا تفرق بين رجل وطفل أو امرأة وتهدم المنازل على رؤوس الأسر وتنفذ اعتقالات بالعشرات سرعان ما تصاعدت إلى المئات؟ هؤلاء الشبان عناصر تابعة لقوات الشرطة التابعة بدورها إلى السلطة الفلسطينية التي يرأسها محمود عباس أبو مازن.

لقد أصبحت ملامح الصورة البانورامية الفلسطينية أوضح من أي وقت مضى: فصائل جهادية ـ حماس وشهداء الأقصى والجهاد وغيرها ـ تمتشق السلاح من أجل أن تمارس ما ظلت تمارسه حركات التحرير عبر التاريخ: مقاومة القوة الاحتلالية الأجنبية. ومن وراء هذه الجماعات قواعد شعبية واسعة. وعلى الجانب الآخر مجموعة من محترفي السياسة لا يرون في «القضية المصيرية» سوى فرص استثمارية للإثراء الذاتي بكل ما يتيسر من وسائل الفساد المنظم.

حالياً تمارس هذه المجموعة السياسية سواء على مستوى قيادة السلطة الفلسطينية أو من خلال برلمانها لعبتها باسم حظر «الفلتان الأمني» و«فوضى السلاح». لكن ليس من العسير إدراك النوايا الحقيقية المبيتة وراء هذه الكلمات الكبيرة. فالهدف الاستراتيجي النهائي هو تجريد فصائل المقاومة من سلاحها.

وهنا يبرز تساؤلان:

أولاً: هل بوسع قيادة السلطة أن تضمن للفصائل وسائر فئات الشعب الفلسطيني أن الهجمات الإسرائيلية سوف تتوقف نهائياً؟

ثانياً: هل لدى السلطة استراتيجية وطنية ذات مصداقية لمجابهة الاحتلال في حالة موافقة فصائل المقاومة على إلقاء سلاحها؟

لا أحد عاقلاً يعارض دعوة السلطة إلى ضبط الفلتان الأمني وفوضى السلاح في الشارع الفلسطيني بما يؤدي إلى إقرار القانون والنظام.

لكن على قيادة السلطة أن تكون واضحة وقاطعة وأمينة بأن تعلن على الملأ بأنها إذ ترفض استخدام السلاح بما يشكل تحدياً للقانون الداخلي فإنها لا تعارض استخدام السلاح ضد قوات الاحتلال. غموض السلطة الفلسطينية في هذا الصدد متعمد كما يبدو.. لأنها لا تجرؤ على الإقرار بأنها ترى أن دورها كسلطة فلسطينية ينحصر في «التنسيق الأمني» مع إسرائيل بما يؤدي إلى تجاوب فلسطيني منظم مع احتياجات الأمن الإسرائيلي.. وبما يؤدي بالتالي إلى نيل رضا واشنطن.

إنها بإيجاز لعبة خطيرة جداً.وهذا مما قد يفسر لنا مطالبة عناصر من قوات السلطة الفلسطينية بأن تتحرك السلطة ضد حماس لأن زميلاً قتل في اشتباك داخلي محدود مع عناصر من هذه المنظمة. فليس من أولويات السلطة التحرك ضد القوات الإسرائيلية التي تقتل الفلسطينيين بالعشرات عشوائياً.