في رمضان ـ أكتوبر 1973 وفي أيام تتشابه في الزمن مع تلك الأيام التي نعيشها الآن عبرت الأمة حدود المستحيل وقفزت فوق وهم الأساطير وحطمت كل الحواجز وحققت المعجزة في معركة الكرامة واسترداد الشرف المهدور والأرض المسلوبة.

في لحظة تاريخية استثنائية في تاريخ العرب توافق القرار مع الإرادة وعزف التضامن العربي لحن النصر اعتماداً على همة الرجال وعزيمة الأبطال من الشعب العربي وجنوده في مصر وسوريا الذين أثبتوا أن الهزيمة والاستسلام ليست قدراً ومصيراً وأن النصر والحرية هو ما يستحقونه طالما بذلوا من أجله الدم والعرق والعمر ولم يقف في طريقهم شيء للعبور إلى النصر.

في رمضان ـ أكتوبر 73 كان العبور فوق الألم والجرح الغائر في أخدود الكرامة العربية وكان العبور فوق أحاسيس الاستسلام ودعاة الهزيمة في الداخل قبل أن يكون عبورا للموانع المائية والحصون العسكرية في قناة السويس وسيناء والجولان.

انتفضت الأمة واستيقظت من أوهام الخوف والجزع من أسطورة العدو الذي لا يقهر وكتب الله لها النصر والشهادة واستجاب لها القدر لأن إرادتها توحدت مع قرارها ووثقت في شعوبها فهابها العدو ومن معه بغض النظر عما حدث من التباسات وتقاطعات السياسة فيما بعد.

وهذه الأيام يمر 32 عاما على ذكرى مشهد ثنائية رمضان ـ أكتوبر 73 ومازالت شعوب الأمة تتطلع إلى عبور جديد تتحقق معه كرامة المواطن وضمان حقوقه واحترام حرياته فإذا كان عبور أكتوبر 73 تحققت معه كرامة الوطن وإزالة آثار الهزيمة العسكرية فليس أقل الآن أن يكون هناك عبور لمحو آثار التخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

العبور الذي نتطلع إليه هو العبور العظيم نحو الديمقراطية والكفاية والعدل تتقدم الصفوف فيه «الأغلبية الصامتة» التي عبرت في 1973 والتي اكتفت من بعده بالفرجة والمشاهدة وتركت المشهد بكامله للأقلية التي هبرت وإذا كانت الأمة قد انتصرت على أسطورة التفوق فإن عليها الآن مهمة ليست أقل صعوبة من ذلك.. عليها هزيمة ثنائية الفساد والاستبداد وإهدار الفرص للإصلاح والتغيير.

إذن المطلوب الآن عبور سياسي يفتح الطريق إلى حياة ديمقراطية جديدة يستحقها الناس ولا مجال للخوف والتردد والتباطؤ والتشكك.والعبور السياسي المنتظر لن تجدي معه سياسات الخطوة خطوة والجرعات الديمقراطية البطيئة تماشيا مع الزعم بأن ما حدث من خطوات يكفي الشعوب وأن الديمقراطية الكاملة ستؤدي إلى الفوضى أو إلى ما لا يحمد عقباه.. هذه وجهات نظر أصحاب المصلحة في بقاء الأوضاع على ما هي عليه لأن التغيير بلا شك نتيجة ليست في صالحهم.

الدول التي سبقت وعبرت إلى الديمقراطية كانت لديها الثقة الكاملة في وعي وإدراك شعوبها على استيعاب وهضم كل المتغيرات ولم تتحول فيها الحرية السياسية الكاملة إلى فوضى. عندما انتصرنا في أكتوبر 1973 كانت أسبانيا تعاني من التخلف والاستبداد في حكم الجنرال فرانكو ولكن لم تكد تشرق شمس عام 1975 وموت الجنرال حتى لحقت بركب الحضارة الأوروبية واندماجها في الاتحاد الأوروبي بعد ذلك عام 1986

واستطاعت أسبانيا أن تحقق في ربع قرن ما حققته البلدان الأخرى في قرون بالديمقراطية والحرية السياسية الكاملة ولم يتخوف قادة النظام الديمقراطي فيها من الفوضى إذا حصل الشعب على حقوقه وحريته الكاملة من دون نقصان. وكما قال مونتسيكو فإن الديمقراطية ليست مرتبطة بشكل محدد وواحد لأنظمة الحكم ما دامت أنظمة غير فاسدة وغير مستبدة.وإذا كانت هناك إرهاصات نحو التغيير في بعض البلدان العربية وفي المقدمة منها مصر فإننا نتمنى أن تنهمر سيول الديمقراطية لأن الشعوب لن تخشى الغرق بل ستقول «هل من مزيد».