شهد الأسبوع الماضي معركة قوية، شارك فيها المستهلكون، وتجار البضائع، كانت طريدتها المنتجات الغذائية الاستهلاكية، ومشهدها معظم مراكز بيع المواد الغذائية، ومنها الجمعيات التعاونية!.

يوحي المشهد بأن هنالك شيئاً ما، يجري بشكل غير طبيعي، كما لو كان استجابة لإعلان حرب، كما كان الوضع في مطلع التسعينات من القرن الماضي، حيث وجد الناس مبرراً للخوف من نفاد المواد الاستهلاكية، فعمدوا إلى الشراء والتخزين.

كان الحصول على المواد الأساسية آنذاك، هماً لإنسان يدرك خطورة الحروب، واحتمالاتها غير المعروفة، فقد تكون نتائجها كنتائج ذلك الفيلم الخيالي عن «اليوم الذي يلي». يتطلب فيه المشهد قراءة العقليات المختلفة للبشر، آخذين بعين الاعتبار الخلفيات الثقافية العديدة، ومخزونها الموروث من مشاعر يختلط فيها الخوف بالأنانية بالمظهرية وبعوامل كثيرة أخرى.

أما في هذه السنة، فالظروف مختلفة، وهي لا توحي، بأي شكل من الأشكال، بوجود بوادر حرب تستخدم فيها كل ما وصلت إليه الترسانة العسكرية من سلاح!!يبدو أن تأثيرات الأسهم والشركات، لا يختلف عن تأثيرات السلوك الاستهلاكي المرضي لدى الإنسان، فالجميع يريد أن يحصل على أكبر كمية من المواد الغذائية، وبشتى الطرق.

فهل الخوف من نفاد الكميات الموجودة، أم الخوف من ارتفاع أسعارها، أم أن بدايات الشهر، التي عادة ما توفر السيولة في الحسابات البنكية، ساهم في ارتفاع حمى الشراء؟.

ربما تكون تلك الأسباب مجتمعة، وغيرها دافعاً لبروز ظاهرة الاستهلاك المرضي. ومما زاد من تعقيدات هذه الظاهرة، هو عدم الاهتمام بتداعياتها، على الرغم من الدراسات التي تمت حولها، منذ بدايات التسعينات من القرن الماضي، سواء على المستوى المحلي، أو الإقليمي أو العالمي، إذ بقيت تلك الدراسات والأبحاث حبيسة في الأدراج، أو أسيرة تقبع فوق رفوف مكتبات الجامعات العربية، أو رفوف المكتبات العامة.

ففي دراسة حول مجتمع الإمارات، كان من أسباب الاستهلاك المرضي، محاولة الآباء تعويض أبنائهم عن مرحلة الحرمان التي مر بها المجتمع في مرحلة ما قبل قيام الدولة الاتحادية، لكن لا يزال الجيل الجديد من الآباء يعانون من المشكلة السابقة نفسها إلا أن ذلك لا يفسر حجم هذه الظاهرة، إذ لابد من وجود أسباب أخرى جديدة، لا صلة لها بعقدة الحرمان الذي قاسى منه جيل الآباء والأجداد.

لقد أصبح الإعلان مسيطراً على عقول الناس، إلى حد بعيد، وساهم ويساهم في تفشي مرض المظهرية الاجتماعية، ويعمل على تعزيز النزعة الاستهلاكية لدى الفرد والعائلة خدمة لمصلحة منتج البضاعة الاستهلاكية. فقد يسهم إعلان ذكي في تقويض جهود التوعية التي تقوم بها الجهات الواعية سواء ما كان منها حكومياً، أم من منظمات المجتمع المدني.

من المؤكد أن العديد من وسائل الاتصال تحاول أن تبين الجوانب السلبية للاستهلاك المرضي، إلا إن إعلاناً بسيطاً في وقت الظهيرة، والناس صيام، كفيل بسحب ذلك الصائم، إلى معركة الشراء من جديد، حتى لو لم يكن بحاجة ماسة لتلك المادة الاستهلاكية، إن الإنسان يدفع ضريبة ثورة الاتصال والمعلومات، في زمن صارت فيه طاحونة الإعلان هي السائدة.

إن المتابع لهذه الظاهرة، وخاصة في نهاية الأسبوع الذي سبق قدوم الشهر الفضيل، يصاب بنوع من الذهول، فذلك السلوك الجمعي الاستهلاكي، يتناقض مع المبادئ الأساسية للدين الإسلامي الحنيف، وفي الوقت نفسه يؤكد على عدم الوعي الاقتصادي، لدى قطاعات كثيرة من أفراد المجتمع، وإلا لما كان لهذا التسابق من معنى.

قد يكون الحديث عن هذه الظاهرة مكرراً، ويعاد بشكل سنوي وخاصة في شهر الصوم، إلا أنه يبدو واضحاً أن نمط الاستهلاك المرضي، والمحاكاة وعدم التعلم من الشعوب المتحضرة في كيفية التحكم بالسلوك الاستهلاكي، أصبح يشكل القاعدة العامة، آخذين بعين الاعتبار أن الجميع يشتكي من المغالاة في رفع الأسعار، وان معظم التجار يخططون لرفع الأسعار بشكل مدروس، حتى يحققوا أعلى الأرباح وفي فترة زمنية قصيرة، وهذه تساهم في زيادة معاناة الإنسان.

إن ضعف الوعي يزيد من عدد من يؤمن بمقولة أصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب، وهي مقولة قدرية صرفة، وغير علمية، وغير واقعية، حيث إن ما يصرف في اليوم الواحد، ومن خلال مراقبة أكياس النفايات من الطعام يؤكد على البذخ والصرف، غير المبرر، لدى معظم أفراد المجتمع دون استثناء. وليت الأمر يقف عند هذا الحد (حد صرف ما في الجيب)، بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى الاقتراض، من الأصدقاء تارة، ومن المصارف تارة أخرى، حتى إننا بتنا لا نرى إنساناً إلا وأرهقته القروض التي لا نهاية لها.

ويستطيع المتابع لهذا المشهد، أن يشير إلى مئات من حالات المقترضين الذين اقترضوا منذ سنوات ومازالوا إلى الآن في عداد المقترضين، الذين لم يستطيعوا وفاء قروضهم، لأنهم بحاجة دائمة مع مطلع كل رمضان لتأخير السداد ومضاعفة الفوائد.

يبدو أن الثقافة الاستهلاكية المرضية قد تغلبت على الثقافة الدينية، التي تدعو إلى الوسطية في الحياة وربما كان هذا السلوك هو سلوك متطرف من حيث أنه يعتبر تبذيراً في المفهوم الاقتصادي، هل هذا عائد في الأساس إلى دور الإعلام في تعزيز المرضية الاستهلاكية، كما أكدت على ذلك نظرية ناجحة في السبعينيات من القرن الماضي حينما صدرت أغنية «الرجل ده حي يجنني... في رمضان» وإن وسائل الإعلام والإعلان عززت نمط الاستهلاك،

ويكفي أن يتابع المشاهد محطات التلفاز من خلال الإعلانات التي تتخلل المسلسلات فائقة الشعبية للتعرف على دور الإعلان في تعزيز النمط الاستهلاكي ربما يضاف إلى ما يحدثه الإعلان من أثر في تعزيز الروح الاستهلاكية، فقد يكون لصور المجاعة في القارة الإفريقية من الآثار ما يساعد على تعزيز روح الخوف من النفاد البضاعي لدى الإنسان.

يبقى أن ارتفاع الأسعار، وتنامي روح الاستهلاك هما المسيطران على الحياة في أفضل شهور السنة الهجرية، أما الشهور الميلادية فلها قصة أخرى، مختلفة عما هو سائد، سؤال أخير يطرح نفسه، ألا يمكن لجمعية حماية المستهلك أن تؤدي دوراً في توعية المستهلك لخطورة هذا الإسراف، أم أن هناك جهات حريصة على تعطيل دور هذه الجمعية بإغراقها بالخلافات الإدارية؟

almutawa_mohammed@hotmail.com

رئيس وحدة الدراسات ـ «البيان»