هاجس الأمن والاستقرار باتا مطلباً عربياً لكل الفئات، لأن ما نسميه بلعنة الاستعمار، بكل بشاعته، إلا انه ورّث منظومة سلوكيات لحكومات قادرة لأن تتبنى خطاً ديمقراطياً بأحزاب وطنية مستقلة فكرياً، وتحترم حقوق الآخرين، إلا أن الذين ورثوا تلك التركة أداروها باتجاه آخر مخالف وضعيف.

فإذا ما علمنا أن هناك حكومات ملكية وراثية، لاتزال مجتمعاتها تعيش استقراراً خاصاً بين بقية الأنظمة، ورغم لعنات القوى اليسارية التي غيرت بعض تلك الملكيات، إلا انها جاءت بما هو أسوأ، ومع ذلك بقيت نزعة التوريث تصيب تلك الحكومات التي طالما هزئت من الملكيات الوراثية، وهي إحدى الأعاجيب العربية..

الأغرب من ذلك أن قضية التوريث لم تعد مرتبطة بعوائل معينة كسبت دستورية حكمها أو نظامها بفعل التقادم التاريخي، وحصولها على هذه الشرعية، وإنما جاءت أحزاب عائلية تتوارث القيادة، وأحياناً، إذا ما وصل الحزب إلى الحكم أن تكون حصة العائلة الأكبر والأهم، وربما، إذا ما التف حولها سياج أمني من الجيش أو الشرطة يحميها أن تستمر معطية نفسها حقاً مشروعاً.

وقد حدثت هذه النماذج بالسودان، ولبنان، كنموذجين للعائلات الحزبية، والمشكلة، فيما يبدو أن التقليد القبلي الذي عاشه العرب في نظام السلطة المركزية، هو الذي تطور بهذا المستوى، إن كان ما يسمى بأحزاب العائلات تطوراً من القبيلة، طالما تأخذ بنفس النموذج، والشكل..

لا اعتراض على ذلك لو أن النتائج لم تأت مقلوبة، بحيث تتحول بلدان زراعية كبرى مثل العراق، والسودان كانت لها بورصات خاصة بسلعها الغذائية لتصل قطاعات شعبية منها إلى ما دون خط الفقر، وحتى نكون أكثر حيادية فإننا لا نلقي اللوم على عائلة حزبية، أو طبقة حاكمة جاءت من خلال الطائفة أو القبيلة، لكن من الذين وصلوا بادعاءاتهم إلى جلب نموذج غير مسبوق من العدالة الاجتماعية، والتقدم العلمي، والتربوي.

غير ان التاريخ الحديث للدولة العربية أياً كان شكلها الطارئ لما بعد الاستعمار، فهي الصورة الأسوأ والدليل مبتكرات نسبة الـ99٪ في الانتخابات التي أقرها الشعب للزعيم المهيب والثوري، أو إطلاق المسميات على الدكتاتوريات العسكرية بالديمقراطية الشعبية والحزب القائد.

وطالما افتقدنا للتقاليد التي ظلت خياراً للدول الديمقراطية، أو حتى الإصلاحية التي بدأت بها حكومات (تنانين) آسيا، فإن الوضع العربي لم يهتد لطريق يفصل بين تقاليد الأحزاب العائلية، أو الحكومات العسكرية، ومن هذا السبب بقي العربي سجين تاريخه وواقعه الذي لم يتغير..