كلما هلّ هلال رمضان، ذكّرهم شقيقي الأكبر بالحادثة التي مضى عليها أكثر من خمس عشرة سنة، فيضحكون على المائدة ويطخطخون بينما انشغل بالتهام الطعام بعد امتناع أكثر من نصف يوم كامل، وهو كثير لمن يتذكر الجوع في كل لحظة وقليل لمن ينساه أياماً مثل الشنفرى الذي كان يُديمُ مِطالَ الجوع حتى يُميتهُ ويضربُ عنه الذكرَ صَفحاً فيذهلُ.
أما الحادثة، ففي أيام الصعلكة، أو عصر الجاهلية بالنسبة لي، اتفقت مع ثلّة من أصدقاء رمضان على جرح صيامنا بعصائر وشيبس وشوكولاتة قبل الذهاب إلى المدرسة وبعلب التونة مع شطّة حارة ولبن بعد العودة. واضح أنه لم يكن جرحاً، فالجرح قد يكون بنظرة محرّمة وليس ب«بوفيه»، هنا يصبح سفكاً لدم الصوم.
المهم أننا قضينا معظم الشهر نأكل أربع وجبات بعكس الأمة الإسلامية التي لا تأكل إلا السحور والإفطار، بينما نحن نأكل معهم ونضيف البكور وهو بعد السحور ويعتبر ابن عم له ويلحق به، والاعصار ويأتي قبل الإفطار وهو أخ له ويأخذ حكمه.
عموماً لم نكن نرتكب حراماً، فلم نكن بعد من المكلّفين شرعاً أو لعلّنا كنا قاب قوسين أو أدنى من التكليف، لكن الذي كان يجعل إفطارنا حراماً في الأرض وحلالاً في السماء، هو أننا كنا نصوم الشهر بأكمله حين كنا أصغر سناً وأكثر جلداً أمام الطعام، ولم نتفق على عدم الصوم إلا عندما اتفقنا أن نصبح أصدقاء، وحقاً قيل: «حفّ الصوم بالتونة».
وبرغم عدم التكليف إلا أن الامتناع عن الصوم كان سيُعتبر تمرّداً وعصياناً لأنني في سنين سابقة صمت، فألزمتُ نفسي ما لا يلزم، لذلك كنت أتمّ الصوم أمامهم رغم امتلاء ما بين أسناني بالتونة. وأثناء جلوسنا إلى المائدة بانتظار صفّارة الهجوم، كنت أمثّل دور المشارف على الهلاك، فأتخيّل اصفرار وجهي من شدة الجوع، فيصفرّ كأنه كومة زعفران، وأتخيّل تشقق شفتاي من العطش، فتخال إلى الرائي أنها متشققة كمِشفَر البعير، وأتوقّع أنهم لا يلاحظون تخمتي ويحسبونني مؤمن البيت، وفعلاً كانوا كذلك إلا شقيقي الكبير.
كان يتربص بي على المائدة ويصدح بالحق قائلاً: يا جماعة هذا فاطر وبالثلاثة، إنه ممثل لكن «كومبارس»، انظروا إلى وجهه كأنه ضرع بقرة هولندية، وإلى عينيه وقد انعكست فيهما علب التونة، بينما والدتي تدافع عني ولم تكن تدري أنها محامية الشيطان، وأنا المهيض الجناح، أتجرّع الإفطار ودموعي تترقرق في عيني، فتشفق عليّ والدتي وتغضب من أخي فتسألني: هل تصوم لله أم لأخيك؟ فأقول بصوت مبحوح: لله.
ahmed_amiri@hotmail.com