يثير تعطيل السلطة التشريعية والقضائية (وهما السلطة الأولى والثالثة في دساتير كثير من المجتمعات) أشهر طويلة خلال فصل الصيف استغرابا. فما إن يحل فصل الصيف حتى تغلق البرلمانات (مجالس شعب وأمة وجمعيات وطنية) أبوابها لثلاثة شهور على الأقل تاركة وراءها مشاغل ومشاكل الملايين حتى دور الانعقاد المقبل، وقد يكون في هذا تعطيلاً لمشاريع قوانين ملحة، ولكن لا مانع، فالمهم هو راحة «ممثل الشعب».

وكذلك الأمر فيما يخص السلطة القضائية التي تغلق أبواب العدل لثلاثة شهور تاركة قضايا الناس حبيسة الأدراج، ورهينة تأجيل مستمر قد يستمر عقودا في بعض بلداننا العربية.. حتى يكاد يكون الأمر تلاعبا في حقوق الناس. فعندما تنطلق الحملات الانتخابية لاختيار ممثلين في مجالس الشعب حتى تتحول المدن والقرى إلى خلية نحل وتغص بلافتات الوعود والعهود برعاية مصالح المواطنين وحقوقهم والدفاع عنهم وتوفير فرص العمل لهم،

ولكن ما إن ينجح هذا المرشح حتى تتبخر هذه الوعود، ليدخل في لعبة مصالح مع السلطة التنفيذية التي يهمها ضمان ولاء النواب لتمرير ما تريد من مشاريع قوانين غالبا لا تكون في مصلحة الشعوب على الرغم من أن واجبها الأول هو توفير الرخاء والنماء والازدهار والعيش الكريم لهذا الشعب.

وبعد دور انعقاد برلماني كامل لا يدوم فيه النائب (ممثل الشعب) في مكتبه في البرلمان أكثر من ثلاثة أيام في الأسبوع (على أحسن الأحوال) على مدى ثمانية أو تسعة شهور يتخللها ما لا يقل عن 60 يوما من الإجازات والعطل الرسمية، و30 بنصف دوام (خلال شهر رمضان) ونحو 30 يوما أخرى من العطلات الدينية والوطنية حتى يجد النائب نفسه وقد أجهد واستهلك وبات بحاجة لإجازة صيف تمتد في كثير من الأحايين إلى ما بعد الصيف.

فهل الإجازة الصيفية للبرلمانات ضرورة أم ترف؟ بالتأكيد هي بلا داع خاصة وأن المستفيد منها لا يبذل طاقة جسدية تستدعي هذا المدى من الراحة، بل إن العامل البسيط الذي يستهلك على مدار السنة قد لا يحصل على إجازة مدتها شهر فهل العامل أو الخباز أو المهندس رر- أهم من النائب، حتى يمكن الاستغناء عن وجوده وعمله لأربعة أشهر بينما لا يمكن الصبر على عطلة الخبازين أو الحلاقين لمدة أسبوع مثلا، مع أن النائب يستمتع بفوائد وعوائد جمة مثل الراتب العالي والسيارة والمكتب المؤثث ومساعدين فضلا عن السفرات الخارجية.

وفي بعض الدول هناك عوائد مالية لا بأس بها عند طرح قوانين ما لا تلقى شعبية وتريد الحكومة تمريرها برلمانيا لتعطيها صفة التشريع.وهنا أيضا يمكن العثور على فائدة تجنيها الحكومات والتي غالبا ما تكون هي واضعة قانون الانتخابات وما يتصل بها من آلية عمل مجالس الشعب والبرلمانات والتي يفترض أن تكون هي جهاز المراقبة والتفتيش على عمل الحكومة،

ولكن ما يحدث أن الحكومات تنتهز فرصة إجازة البرلمان لإصدار قوانين أو قرارات لها نفاذ القانون لعرضها على البرلمان عندما يعود إلى عمله وبعدما تصبح القرارات أمرا واقعا، وقد تضيع في مناقشة مشروعية «صفة برلمانية كاملة» حتى تحل الإجازة الصيفية المقبلة لتصدر الحكومة قوانين أخرى وهكذا دواليك.

فمع دخول مصطلح المال السياسي في اللعبة الديمقراطية باتت البرلمانات أسيرة الحكومات بعدما كانت في السابق ترعبها وترسم لها خط سيرها. هذا ما يتعلق بالبرلمانات، أما في ما يتعلق بالسلطة القضائية فلا مبرر مقنعا لهذه الإجازة الطويلة خلال فصل الصيف، وكأن أحوال السنة في أحسن صورها.

حيث تضيع حقوق العباد في أروقة المحاكم، والروتين، والتأجيل، وألاعيب المحامين حتى أصبحت أي قضية مهما تفهت تحتاج أعواما لإنهائها. إن أي دولة أو مجتمع أو سيادة تؤسس على ثلاث سلطات، فإذا دخلت اثنتان منها على الأقل في «سبات صيفي» فمعنى ذلك أن عمل الدولة والمجتمع قد اهتز، والضحية في كل هذا هو الإنسان الذي وجدت هذه السلطات لخدمته وحماية مصالحه ورعايتها.

nidal@albayan.ae