إن أهم مهمة لأي جامعة هي الجمع بين الاختصاصات، وهي مهمة تجعل من أي جامعة المؤسسة التي تعترف بتراث الماضي وتحاول إدماج إبداعات الحاضر الثقافية وربطها بالمستقبل؛ وهذا يعني ألا تكون الجامعة مجرد مؤسسة تتكيف مع محيطها الحالي وتكون عرضة لمتطلبات السوق وتحولاته، وبالتالي تكتفي بتخريج مهنيين يلبون حاجة السوق المتقلبة، ولكنها مطالبة كمؤسسة بأن تحمي الثقافة وتحملها بين أضلعها وتصون مطلبها الشمولي.
ولا نقصد هنا بالثقافة مجموعة المعارف التي يكونها الإنسان عن المجالات المختلفة فحسب، ولكن المعارف التي تدمج في الشخصية وتصبح جزءاً من السلوك اليومي الممارس، والتي تشكل آليات يستخدمها الإنسان لمواجهة رهانات الحياة السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الفردية والجماعية؛ مما يعني أن علاقة التلميذ بالمادة يجب أن تكون دائماً علاقة إبداعية أصيلة.
بعبارة أخرى، وكما يقول روسو في كتابه الشهير «في التربية»، يجب أن نعلم التلميذ كيف يحيا، وهذا لا يعني أن نعلمه كيف يحيا حياة مصطنعة ولكن أن يطور قدراته التي تسمح له بإدماج ما يتعلمه في حياته.ولكي يتحقق لنا ذلك يجب أن نواجه بعض المعوقات التي تواجه منظومتنا التربوية ونحاول إصلاحها. ولقد طرح عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران في رؤيته التعليمية مجموعة من الحلول لإصلاح المنظومة التربوية.
أولها: حاجتنا لتحديد وتعريف مفهوم المعرفة. الجميع يعتقد بأن المعرفة مفهوم فلسفي ونخبوي لا يمارسه إلا المختصون في الفلسفة وفى فرع الابستمولوجيا (علم المعرفة)، إلا أنه في الحقيقة تعريف مفهوم المعرفة، وكما يقول موران، هو مشكلة كل واحد منا. حيث إن المعرفة تعود إلى الإدراك والذي دائماً ما يبقى إدراكاً محدوداً.
فليس بالضرورة ما ندركه ويشكل بالنسبة لنا معرفة متطابق تماماً مع الواقع؛ بل هو إدراك لبعض المثيرات الحسية التي يعاد ترجمتها وغربلتها عن طريق آلاف الخلايا البصرية، ثم تنقل هذه المعطيات إلى الدماغ وتتحول بعدها إلى إدراك. إذن، فعل المعرفة ما هو إلا ترجمة معينة لواقع خارجي وإعادة بنائه؛ وهو فعل نقوم به بشكل تلقائي من خلال ما يسمى بظاهرة «الثبات الإدراكي».
ويجب أن ننوه هنا إلى أنه لا يوجد فاصل بين الإدراك والهلوسة أو التهيؤات، كما أنه لا يوجد حد فاصل يظهر الفرق بينهما. وهذا يقودنا إلى حقيقة أن ليس كل إدراك لحواسنا هو إدراك للواقع بل قد يكون وهم. لذا علينا أن نحترس من إدراكاتنا وأن نعي حدود نظرتنا.
وإذا أيقنا أن الأفكار والنظريات ما هي إلا ترجمات وتأويلات، فإننا نعترف بأننا نواجه إشكالية كبيرة وهي ميلنا للوهم؛ هذا الميل الذي يحيق بنا من كل صوب رغم محاولاتنا المستمرة لتجاوزه. ومن ثم فإنه من المهم أن نربي أنفسنا على التعامل مع فخاخ المعرفة، وأن نتعلم كيف نغربل ونراجع التأثيرات الثقافية التي تمارسها علينا الأنساق الاجتماعية والثقافية المختلفة بخصوص أفكار تبدو بديهيات، مثل فكرة الطبقة والنخبة والمجتمع وغيره؛ علينا أيضا أن نتعلم كيف نتعامل مع التأثير الذي تمارسه هذه الأفكار على الأذهان التي تؤمن بمطلقيتها.
فالأفكار ليست أدوات نستخدمها لمعرفة الواقع بل هي في الحقيقة قوة عقلية قادرة على أن تحولنا إلى أدوات لها؛ وهذا بعينه ما يحدث في الأيديولوجيات الكبرى التي يكون حضورها قوياً ومسيطراً في حياة المؤمنين بها لدرجة تقودهم إلى الإيمان بالموت والقتل من أجلها بالرغم من أنها مجرد أفكار. وهذا هو ما يسمى بعملية الاستحواذ الفكري.
لذا فإنه يتوجب علينا تربويا، كما يقول موران، أن نعلم أبناءنا كيف يتحاورون مع أفكارهم؛ فنحن لا نستطيع أن نمنع الأفكار من أن تمتلكنا ولكن نستطيع أن نراقبها وأن نكون أكثر مرونة في مناقشتها وغربلتها؛ هناك ضرورة لتدريسهم كيفية مواجهة خطر الوهم في كل عمليات إنتاج للمعرفة وتحصيلها. وهذه مهمة تربوية تحتل المركز في أي عملية إصلاح تربوي.
القضية الأخرى التي يجب أن نأخذها في اعتبارنا عند إصلاح منظومتنا التربوية هي قضية، ما أسماه موران، الشرط الإنساني. ويقصد بالشرط الإنساني طبيعة التكون البشري، فالإنسان فيزيائي، كيمائي، أنثروبولوجي سوسيولوجي، نفسي، وثقافي في آن واحد. والشرط الإنساني بناء على ذلك هو شرط معقد؛ فنحن لسنا مجرد أفراد، ولكننا أفراد ننتمي لمجتمع، وفى الوقت نفسه إلى النوع الإنساني.
وهذا معطى، كما يقول موران، لا ينفع معه حساب. فنحن لا نستطيع أن نقول إن ما يكون الإنسان 33% بيولوجي و33% ثقافي و33% سوسيولوجي، بل ان الإنسان هو كائن بيولوجي بنسبة 100% وثقافي بنسبة 100%، وسوسيولوجي بنسبة 100%. فالإنسان كائن بيولوجي، اقتصادي، تقني، كما أنه شاعر كاتب ومنتج للأدب.
وهو في الوقت نفسه اجتماعي وثقافي. وبناء عليه فإن النظرة للإنسان من زاوية واحده فقط، على سبيل المثال من زاوية قدراته التقنية ومهاراته اللغوية، تعتبر نظرة محدودة وتختزل الإنسان في جانب واحد من الجوانب المُشكلة له. هذا بالإضافة إلى أن فكرة أن النشاط العقلي مفصولاً عن النشاط الإنساني فكرة مغلوطة رفضتها نتائج كثير من البحوث العلمية في مجال الدماغ البشري، حيث أثبت هذه البحوث علميا أن أي نشاط عقلي تقني غير مفصول عن الأنشطة الانفعالية.
فعالم الرياضيات الذي يقوم بحل مشكلة رياضية معينة لا ينجزها بشكل تقني صرف، بل ان نشاطه التقني هذا يكون مصاحباً بنشاط انفعالي. وبالتالي فإن معرفة الشرط الإنساني ومحاولة تعزيزه تستدعي منا الجمع بين التخصصات بشرط ألا يعزز تخصص على حساب إضعاف الآخر، وأن تكون عملية الجمع بين التخصصات هذه منطلقة من نظرة شمولية وليس من نظرة تجزيئية وتقنية محضة (كما هو حال بعض جامعاتنا التي حاولت تبني هذا المنهج) والتي تعمل على تفتيت العلوم وتسطيحها؛
نظرة محكومة بالنفعية ومتناسيه للشرط الإنساني. هناك الكثير من الأفكار المهمة التي طرحها موران في مجال التربية، والتي نرى أنها مهمة أو لا تقل أهمية عن ما ذكرته أعلاه، كما أن هناك أيضاً في تاريخنا العربي علماء لهم منظوراتهم القيمة في مثل هذه المجالات، غير أن المجال هنا لا يسمح بتغطيتها كلها وقد تكون لنا عودة لها في المستقبل.
جامعة الإمارات