صورة لامرأة حسنة المظهر تبدو في ريعان شبابها وهي تُدخل يدها في خيشة ( كيس من الخيش ) معلقة بحبل، تلك الخيشة تقوم مقام صندوق الاقتراع بالانتخابات التشريعية في «جمهورية أرض الصومال»، كما تَظهر في موقع الجزيرة بتاريخ التاسع والعشرين من الشهر الفائت.
وقد تنافس 250 مرشحاً من بينهم سبع نساء لشغل 82 مقعداً في البرلمان، أتى معظمهم من الحزب الحاكم (اتحاد الديمقراطيين) بزعامة الرئيس ظاهر ريال كاهن، فيما توزع الباقون على الحزبين الآخرين: التضامن والرخاء والعدالة. وتوزع الناخبون الثمانمئة ألف من أصل ثلاثة ملايين ونصف المليون هم مجمل سكان «أرض الصومال» توزعوا على 985 مركزاً انتخابياً.
ومن المفارقات العجيبة، أن تلك «الدولة» التي اتخذت من هرغيسيا عاصمة لها، لا تحظى باعتراف المجتمع الدولي فيما عدا جارتها إثيوبيا، ومع ذلك فقد أشرف على انتخاباتها مراقبون من جنوب أفريقيا والمفوضية الأوروبية ومن دول أخرى!! والعجيب أيضاً أن هذه الانتخابات لم تكن الوحيدة،
بل جرى قبلها في العام 2003 انتخاب «رئيس الجمهورية» الذي مازال في سدة الحكم. بل إن الأعجب من هذا وذاك، هو أن تقوم هذه «الجمهورية» في نشأتها الأولى في العام 1991على الانتخاب، لتنعم منذئذٍ باستقرار نسبي يحسدها عليه باقي أجزاء الصومال.
وجمهورية الصومال وعاصمتها مقديشو والتي انفصلت خمس من محافظاتها الثماني عشرة لتشكل «جمهورية الصومال» دولة فيدرالية كانت تتقاسم أراضيها دولتان هما بريطانيا في الشمال وايطاليا في الجنوب إلى قيام الدولة المستقلة الموحدة في الأول من يوليو العام 1960.
وشأن غالبية المستعمرات السابقة تمتعت تلك الجمهورية الوليدة في سنواتها الأولى بحكم ديمقراطي لم يعمر طويلاً، إذ سرعان ما انتهكت الشرعية باستيلاء العسكر على السلطة بقيادة محمد سياد بري في العام 1969 وإعلانها جمهورية اشتراكية والقيام بحركة تأميم واسعة. بيد أن تلك الإجراءات لم تكن إلا «شعارات» أريد منها كسب الشرعية وتثبيت الحكم، والابتعاد عن تداول السلطة وتركيز الأمر بيد الرئيس محمد سياد بري.
والنظام حينما يفقد شرعيته ومبرر وجوده وتصبح شعاراته جوفاء لا يصدقها أحد، يلجأ فضلاً عن القمع إلى مصادر الشرعية التقليدية، فيقرب أبناء قبيلته أو طائفته ليحتلوا المواقع المهمة في جهاز الدولة. وهذا ما حصل مع بري ومع غيره من زعماء الأنظمة الوطنية التي توالت على الحكم في العالم الثالث. فقرب بري أبناء قبيلته (المريحان) ومكنهم من جهاز الدولة وأبعد قبيلتي (المجردين) و(الإسحاق) الشماليتين.
وكان ذلك سبباً لزوال مُلكه، بل زوال وحدة جمهورية الصومال ذات النظام الفيدرالي في يناير من العام 1991!! وانزلقت الصومال بعد انهيار حكم محمد سياد بري إلى أتون حرب أهلية وتقاسمتها المليشيات تحديداً في القسم الجنوبي، وظهرت مناطق شبه مستقلة غير «جمهورية أرض الصومال» أشهرها «أرض البونت» منذ العام 1998.
ولم تكن الحرب بين الفصائل والقبائل هي المصيبة الوحيدة التي حلت بهذا الشعب المسكين، بل ترافق ذلك مع قحط شديد أصاب المنطقة، فأتى على الأخضر واليابس وانتشرت بسببه المجاعة بشكل واسع. وقررت الأمم المتحدة إزاء هذا الوضع المأساوي أن ترسل قوات لحفظ السلام في العام 1992 كان من ضمنها قوات من البحرية الأميركية، إلا أن تلك القوات سرعان ما اكتشفت أنها أصبحت هدفاً لنيران الفصائل المتناحرة، الأمر الذي أجبرها على الخروج دون تحقيق السلام المنشود.
وحينما انفرط عقد الصومال كان من الصعب عليه تجميع قواه مرة أخرى، إذ أن المليشيات القبلية أصبحت تشكل واقعاً سياسياً مع تداخلات خارجية وانتشار للتيارات الأصولية بالذات أنصار القاعدة. وربما إدراكاً منها بترك هذا البلد ذي الموقع الاستراتيجي نهباً للتطاحن القبلي وأرضاً يمكن أنصار القاعدة أن يتسللوا إليها، هو الذي دفع المجتمع الدولي إلى تشجيع إنشاء حكومة صومالية من جديدة.
وبعد محادثات مضنية تشكلت حكومة فيدرالية انتقالية في أكتوبر 2004 في كينيا برئاسة عبد الله يوسف أحمد، حيث تحاول هذه الحكومة بسط سلطتها ثانية ابتداءً من المنطقة الجنوبية من البلاد. وقد دفع الشعب الصومالي ثمناً باهظاً لغياب السلطة تحديداً في المناطق الجنوبية. فقد قدر عدد القتلى الذين سقطوا في هذه الحرب بنصف مليون شخص فضلاً عن نزوح أكثر من مليونين.
والاقتصاد الصومالي يئن من دين خارجي مقداره ثلاثة مليارات دولار، أما معدل دخل الفرد فيها فهو لا يتجاوز 600 دولاراً في السنة، علماً بأن هذا الدخل مكون أساساً ـ حسب المصادر الأميركية ـ من التحويلات التي يرسلها المغتربون الصوماليون لذويهم والتي تقدر ما بين 500 مليون دولار إلى مليار دولار سنوياً.
وفي العام 2000 كان يوجد أربعة أطباء وعشرين ممرضة لكل مئة ألف نسمة، ويموت ربع الأطفال قبل بلوغهم الخامسة من أعمارهم، أما معدل عمر الفرد فهو لا يتجاوز 48 سنة!! ووفقاً للتقرير الاقتصادي العربي الموحد، فإن 14% تقريباً من أرض الصومال قد أصبحت متصحرة، و 68 % هي في طريقها للتصحر، علماً بأن اقتصاد البلد يعتمد بالدرجة الأولى على الرعي!!
والصومال ذات المساحة الكبيرة ( 637657 كم ) والثمانية ملايين ونصف المليون نسمة، ليست خلواً من الثروات، إذ تمتلك شواطئ تمتد إلى أكثر من ثلاثة آلاف كيلو متر، ولنا أن نتخيل وجود حكومة رشيدة تحول هذه الشواطئ إلى منتجعات تجذب الآلاف المؤلفة من السياح فضلاً عن موانئ تقع في طريق التجارة الدولية.
وهي تمتلك جملة من المعادن مازالت غير مستغلة كاليورانيوم، والحديد، والقصدير، والبوكسايت، والجبس، والنحاس، والملح والغاز الطبيعي (الاحتياطي المعروف يقدر بثلاثة مليارات متر مكعب)، وهناك احتياطيات من النفط تنتظر الاستكشاف. لا يحتاج الصومال إلا إلى حكومة وطنية مخلصة منتخبة من الشعب، ومن نظام فيدرالي يراعي خصوصيات المناطق المختلفة، وإلى دعم أشقائه العرب، الذين نسوا أو تناسوا أن الصومال جزء منهم.
alyusefi@hotmail.com
كاتب كويتي