قالت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس قبل أيام، انه «يجب أن تحصل مبادئ الديمقراطية على دعم القوة بكل أشكاله السياسية والاقتصادية والمعنوية والعسكرية أيضاً». لم تكن تقصد سوى استعادة خطاب رئيسها جورج بوش الذي حدد في كلمته الافتتاحية لولايته الجديدة عقيدة ترشد في نظره، السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
وفحوى هذه العقيدة أن الديمقراطية في العالم، وفي العالمين العربي والإسلامي تحديدا، مصلحة وطنية أميركية لذا فإن واجب الولايات المتحدة هو «القضاء على الطغيان» كونياً. في حين كانت رايس تستعيد هذه الأطروحة، كانت تعمم نتائج استفتاء أجراه «مجلس العلاقات الخارجية ـ شيكاغو»، و«برنامج السلوكيات السياسية الدولية». إن نتائج الاستفتاء بالغة الدلالة في إظهار المواقف التي يتبناها الأميركيون حيال المفاصل الأساسية للسياسة التي يقول بوش انه ينتهجها باسمهم:
ـ 55% يعارضون استخدام القوة مقابل 35% يؤيدون.
ـ 74% لا يعتبرون أن إزاحة النظام البعثي في العراق هي حجة كافية لشن الحرب. بين هؤلاء أكثرية من الجمهوريين أيضا.
ـ 66% يعتبرون أن التدخل العسكري للتغيير الديمقراطي يضر أكثر مما يفيد. فقط 20% يرون العكس.
-72% يقولون إن التجربة العراقية تجعلهم أكثر تشكيكا في إمكان الاستخدام اللاحق للقوة من اجل فرض الديمقراطية. يوجد بين هؤلاء 88% من الديمقراطيين و57% من الجمهوريين.
ـ فقط 26% يصدقون الأطروحة المركزية للإدارة الأميركية في أن الديمقراطية تجعل العالم، وأميركا أكثر أمناً. يقابلهم 68% يقولون العكس. علماً أن 63% يجزمون أن الديمقراطية تجعل الحياة داخل أي بلد أفضل. لا شكوك إذن في الديمقراطية بحد ذاتها ولكن في وظيفتها ضمن العلاقات الدولية. إن حوالي نصف المستفتين يقول إن الديمقراطيات يمكنها أن تتحارب.
ـ 42% يوافقون على الرأي القائل إن الدول تصبح أكثر صداقة لأميركا إذا تحولت نحو الديمقراطية. واقل من هؤلاء يعتبر أن الدول العربية والإسلامية تزداد تقرباً من واشنطن بمقدار اقترابها من الديمقراطية. وبما أن 55% لا يرون تعارضاً بين الإسلام والديمقراطية، فمن الواضح للأميركيين أن سبب الابتعاد عن الولايات المتحدة سياسي بالدرجة الأولى.
ـ 54% يرفضون أي ضغط للإتيان بنظام ديمقراطي إذا كان ذلك سيؤدي إلى وصول أصوليين إسلاميين إلى السلطة.
ـ 54% يؤيدون بحث أميركا عن مصالحها سواء عبر دعم الديمقراطية أو دعم أنظمة غير ديمقراطية.
ـ 68% يفضلون العمل عبر الأمم المتحدة لأنها تضفي شرعية.
يبدو أن طارحي الأسئلة في هذا الاستفتاء اعتمدوا خطاب جورج بوش الشهير وفككوه وطلبوا أجوبة عن كل فكرة فيه. وكانت الأجوبة كلها مخالفة للأطروحات الرئاسية مع ملاحظة التدهور الواضح لاحتضان سياسة البيت الأبيض في بيئة الحزب الجمهوري.
وإذا كان هناك من يزعم ان «سنونوة واحدة لا تعلن قدوم الربيع»، بمعنى أن استفتاء واحدا لا يكفي، فالرد عليه هو أن سلسلة من استقصاءات الرأي، منذ أشهر، تظهر التراجع في شعبية بوش، وتراجع التأييد لإدارته الوضع العراقي، وحتى لطريقته في خوض «الحرب على الإرهاب». وقد جاء «إعصار كاترينا» وما رافقه ليسرّع هذا التراجع.
يمكن القول،إذن، إن بوش لو كان ديمقراطياً حقيقياً، ولو طرح سياسته حول فرض الديمقراطية بالقوة على استفتاء شعبي، لكان واجه مأزقا حقيقيا وكان اتضح له أن اختياراته غير ديمقراطية على الإطلاق بمعنى أنها لا تحظى بموافقة غالبية الأميركيين. ولا غرابة في ذلك.
لا غرابة في ذلك لان بوش برر الحرب على العراق بذرائع اتضح أنها كاذبة. يعني ذلك انه زوّر اللعبة الديمقراطية. وكثيرون هم المشرعون الذين يقولون اليوم أنهم لو كانوا أمام المعطيات التي انكشفت لاحقا لما كانوا اقترعوا للحرب. أضف إلى ذلك ان تبرير «الحرب العالمية لفرض الديمقراطية» لم يكن خياراً أول لبوش.
على العكس. لقد كان هذا هو الخيار الذي اضطر إلى اللجوء إليه بعدما فرغت جعبته من الذرائع الأخرى. ويمكن لكل من يعرف ألف باء العناصر التي تحدد الاختيارات الكبرى للناخب في العالم الصناعي المتقدم أن يدرك أن ليس وارداً على الإطلاق تأييد رئيس يطالب بمئات ملايين الدولارات، وبآلاف الضحايا الأميركيين، من اجل «فرض» الديمقراطية في البصرة والموصل والفلوجة والقائم.. وهي مدن يستحيل على الأميركي العادي، دافع الضرائب، أن يحدد مكانها على الخارطة!
والأنكى من ذلك كله أن الإدارة لا تستطيع الادعاء بأنها ناجحة، أصلاً، في «فرض الديمقراطية» في حين أن العراق يعيش فوضى مفتوحة على كل الاحتمالات والأسوأ منها تحديداً. ولبنان كذلك. وأفغانستان أيضاً وان كانت أفضل حالاً. يعني ذلك أن الأجوبة الأميركية على الاستفتاء المشار إليها كانت ستكون أكثر حدة لو صيغت بما يؤكد الغش في «فرض الديمقراطية».
ربما كان من الأفضل لكارين هيوز التي جالت في المنطقة آملة في تحسين صورة بلادها، وكجزء من دبلوماسية العلاقات العامة، ربما كان من الأفضل لها أن تكون قرأت هذا الاستفتاء وغيره ونتائجهما. لو فعلت لأدركت أن واجبها الأول هو العودة إلى الولايات المتحدة من اجل تحسين صورة الرئيس أمام شعبه. لقد كانت تلك مهمتها في الولاية الأولى... ويقال إنها نجحت علما أنها قد لا تستطيع هذه المرة تكرار الإنجاز.
كاتب لبناني