من حق شهدائنا ان نحيي ذكراهم ونخلد أسماءهم التي سطروها بدمائهم الطاهرة الذكية وصنعوا لنا بها انصع انتصار في تاريخ العرب الحديث، عجزت كل محاولات سماسرة السياسة، وكهنة الخنوع ومنظري الواقعية عن تدنيسه ومسخه في سوق المقايضات مع ابالسة العصر، تحت لافتات براقة مخادعة ترتدى مسوح السلام وهى تمارس ابشع الاعتداءات في حروب غير معلنة، وتغتال الأبرياء وتحرق الزرع وتهلك الضرع، وتفرض علينا القبول باملاءات المعتدين.
واسترضاء مغتصبي الأرض، بكل السبل التي تطعن الشهداء في قبورهم. اليوم تحتفل الأمة العربية بذكرى انتصار أكتوبر ـ رمضان، عندما نجحت جيوشها على الجبهتين المصرية والسورية في تحطيم أسطورة إسرائيل التي لا تهزم، ودك الجنود بإقدامهم الحصون، ودمروا خطوط «بارليف»على شاطئ قناة السويس، وقهروا آلة إسرائيل العسكرية على قمة جبل الشيخ ومرتفعات الجولان
، قبل ان تتدخل الولايات المتحدة علنا وتقيم جسورا جوية تنقل الأسلحة من واشنطن مباشرة إلى ميدان وساحات المعارك، في محاولة لكسر قوة اندفاع الجيوش العربية، وحرمانها من التمتع بمذاق النصر، وجعلها تتجرع بدلا منه مرارة الانكسار وطعم الهزيمة.
في حرب أكتوبر مخزون لا ينضب من قصص البطولة الخارقة والفداء، وهى قصص أبطالها أناس عاديون ربما لم يلتفت إليهم كثير من المؤرخين العسكريين، وربما ارتفعت على جثامينهم قامات قيادات، دار بها الزمان وثبت انها لا تطاول قلامة ظفر شهيد، فجر جسده دفاعا عن بقاء رايات وطنه عالية وأرضه حرة وسيادتها مصونة من كل سوء.
في حرب أكتوبر، تجسدت انبل قيم التضامن العربي، وتلاقت الايادي وتنادت العواصم لدعم المقاتلين، وتجلى للمراقب من خارج الوطن ان هذه فعلا امة واحدة، وارتفع شعار ان الدم العربي أغلى من النفط العربي، وللمرة الأولى يذوق الغرب طعم المهانة، بعد ان قطع عنه النفط، جراء انحيازه الأعمى لإسرائيل.
وعلى ساحة المعارك، جسد التكبير الذي انطلق من حناجر الجنود الصائمين، المعنى الحقيقي للجهاد، قبل ان يختطفه فقهاء الفتنة والإرهاب، ويدنسوه بقتل الأبرياء من أبناء الوطن الواحد، أو في معارك يديرها اللاعب الدولي عن بعد، لنخسر نحن ويكسب هو.
عندما سكتت مدافع أكتوبر، وبدأ التحرك الغربي لتجريف ميراث النصر، كان الهدف الأول، تفتيت عوامل الوحدة والتضامن، وخلق مبررات للتنافر والخلاف ثم النفخ في ناره حتى يتحول إلى تناقض، وإقامة سدود من المصالح الخاصة تجعل من الصعب، بل من المستحيل استعادة مشهد أكتوبر.
وقد كان، وكما جمعت الحرب العرب، فرقهم مشروع السلام الأميركي، وارتفع شعار مضلل: أكتوبر هي آخر الحروب، وتكفل مسار الأحداث بتكذيبه، وثبت لمن ليس له عينان بصيرتان، ان إسرائيل وجدت لتحارب وتشعل الحرائق، لا لتقيم سلاما، إلا إذا كان سلاماً من طرف واحد، تفرضه هي ويقبل به الآخرون صاغرين.
بدلا من الحروب المجيدة المعلنة، غزت إسرائيل لبنان، وكعادته ارتكب مجرم الحرب السفاح شارون المجازر، وضرب المفاعل النووي العراقي، واغتيل قادة منظمة التحرير الفلسطينية في «غارة قراصنة»: على تونس، ويعيش شعبنا العربي في غزة والضفة مرارة الحرب اليومية، فهل بعد كل ذلك يمكن ان نقول ان أكتوبر هي آخر الحروب، لا أظن، لأن القادم مرعب، ان لم نستعد له.