يحق لحزب المؤتمر الوطني (الجبهة الإسلامية المعدلة) أن يطلق ما يشاء من التسميات على الحكومة التي أدى وزراؤها القسم قبل أيام. فالحزب يصر على تمرير تسمية الوحدة الوطنية على حكومة شراكة ثنائية وحتى الشريك لم يحصل على حقوقه في التشكيل الوزاري. فقد كان الخلاف حول وزارة الطاقة فضيحة سياسية حين يكون التهافت معلنا والمطامع سافرة إذ لم يستح النظام في انتزاع هذه الوزارة عنوة بحجج واهية.

مثل قدرة وزيرها السابق على الانجاز ولذلك لابد أن يستمر، مع أن التاريخ يذكرنا بأن تشرشل رئيس وزراء بريطانيا تخلى عن موقعه انتخابيا - رغم مساهمته في تحقيق الانتصار على النازية. وكان النظام على استعداد لنسف اتفاقية السلام الشامل بأكملها في حالة أيلولة الوزارة للحركة الشعبية. فكيف يمكن التحدث عن وحدة وطنية بينما فشل المؤتمر الوطني في التفاهم مع شريكه المباشر؟

هناك تجاوز في التسمية لأنه لم يتم التشاور مع القوى السياسية الأخرى إلا من موقع السيطرة واستغلال شهوة السلطة لدى الأحزاب الصغيرة. وهناك فرق بين المنح والتكليف والتفضيل من جهة والحوار والمنافسة والندية في حق تقلد المنصب الوزاري فقد ترك حزب المؤتمر الوطني الفتات وهو يدري مدى التكالب الذي سيحدث حول التوزير.

عبّرت الحكومة المختارة عن حيرة شاملة تحيط بالمؤتمر الوطني إذ رغم حساسية المرحلة المقبلة وحاجتها إلى الكفاءة والقدرة والحس القومي عبر الحزبية ونظافة اليد وحسن السمعة. ولكن هذه الوزارة تتسم بالترهل والشخصيات الباهتة متوسطة القدرة. فهناك ثلاثون وزارة مركزية وثلاثة وثلاثون وزير دولة وأكثر من عشرة مستشارين (بعد الاعتذارات) ومساعد لرئيس الجمهورية ونائبان وعلى القارئ أن يتصور اجتماعا لمجلس الوزراء الذي سيضم أكثر من خمسة وسبعين شخصاً،

فسيكون اقرب إلى إستاد كرة السلة منه إلى قاعة اجتماع. ولو فرضنا أنه أعطى لكل واحد خمس دقائق للتحدث فهذا يعني حوالي ست ساعات وربع الساعة. وقد غلب على هذا التشكيل- حسب رئيس الجمهورية نفسه- التمثيل الجهوي والطائفي وهذا يعني بالأصح الترضيات القبلية والجهوية والطائفية على حساب الكفاءة والأهم من ذلك على حساب الانسجام.

نتوقف عند الملاحظة الأخيرة، فهذه حكومة شديدة التنافر خاصة إذا رأينا كيف خصص لكل وزير مركزي رقيبا يسمى وزير دولة مع وجود وكلاء وزارات من الخدمة المدنية يمكن أن يستعين بهم الوزير مهنيا. وقد يكون وزير الدولة صاحب فيتو قوي يوقف ـ ولنقل يعرقل ـ قرارات الحكومة. ويظهر التنافر في أهم مجموعة حاكمة: المستشارين.

إذ يفترض أن يكون دور المستشارين الوصول إلى قرار صائب ومجمع عليه حين تستعصي الأمور على الرئيس بمفرده. ولكن علينا أن نتصور كيف ـ يُجمع مجلس مستشارين: على أحمد الإمام ومنصور خالد ومجذوب الخليفة واحمد بلال ورياك قاي وغازي صلاح الدين وعلي تميم فرتاك، على قرار واحد يعتمده ويتبناه الرئيس؟ ويلاحظ أن مجموعة المستشارين عينيا دون توصيف للوظيفة، فقد كنا نعلم في الماضي -على الأقل- أن كل مستشار له مجال محدد: السلام أو التأصيل أو الاقتصاد.

اهتمت حكومة الحيرة الوطنية بإرضاء الجميع وتعميق الخلافات داخل الأحزاب الأخرى، لذلك قربت الأشخاص على حساب التنظيمات الحزبية. فهذه حكومة شقاق وخلافات. إذ ما الذي يمثله بابكر نهار والزهاوي إبراهيم مالك خارج أحزابهم؟ ما هو وزن الصادق الهادي المهدي الذي لم نسمع انه فاز في دائرة انتخابية؟ وينطبق نفس الشيء على الإخوان المسلمين وأنصار السنة قد يكون لهم نفوذ محدود بين الطلاب ولكن لا يملكون الوزن الذي يسمح لهم بأن يحكموا ويقروا.

ابتكرت الإنقاذ وزارات تدل على خيال واسع يستطيع أن يحول أي شيء في السودان إلى وزارة تحل مشكلة في الترضيات والاستوزار. ومن هذه الوزارات الحياة البرية والتقانة والاستثمار وغيرها من الوزارات التي يمكن دمجها طالما يوجد وزراء دولة. ففي هذه الحالة يمكن تسيير الوزارة مهما كانت كبيرة، كما أن الحكم الإقليمي يفترض فيه أن يملأ أي فراغ إداري أو حكومي.

وهذه نقطة شديدة الأهمية ما جدوى كثرة الوزارات المركزية طالما نردد أن مهمة الحكم الإقليمي هي تقصير الظل المركزي كما يقال؟ فسر الكثيرون التشكيل الوزاري بأنه أعاد للأذهان النظرة الترابية للسياسة والتي أسماها المكايدات! فقد حاول المؤتمر الوطني إغاظة واستفزاز الشعب السوداني وإلا كيف يمكن أن نفهم ترقية وزير سابق استقال في قضية أثارت الشبهات؟

وما معنى عودة وزراء وولاة عليهم تحفظات؟ كان الهدف توصيل رسالة بأن الإنقاذ تفعل ما تشاء بغير حساب وان ما يقوله الشعب لا يعني لها أي شيء لان الشعب لم يوصلها إلى الحكم وترى انه -أيضا- لا يستطيع أن ينزع منها السلطة.

ان الوزارة الحالية لا تمثل الوحدة الوطنية بسبب غياب القوى السياسية الرئيسية، وهي في نفس الوقت ليست قوية لأنها لم تهتم بضم الأحزاب حسب أوزانها بل اعتمدت على «مكايدات» وضمت المنشقين وهذا دليل آخر لعدم الاهتمام بقبول الجماهير للحكومة وسياساتها. ومن الواضح أن الفترة المقبلة لن تكون انتقالية بل فترة عناية مركزية ستكون كل الدولة والقوى السياسية في غرفة الإنعاش في انتظار الموت أو المعجزة.

كاتب سوداني