بعد قرار مركز الليكود برفض الموقف القاضي بتقديم موعد الانتخابات لرئاسة الحزب بأغلبية 1433 صوتاً مقابل 1329 صوتاً انتصر معسكر رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون على خصميه من معسكر منافسيه على قيادة الليكود بنيامين نتانياهو وعوزي لانداو.

وقد شارك في عملية التصويت 2789 عضواً من مركز الليكود والبالغ عددهم 3050 عضواً بنسبة 4,19% وبهذه النتيجة فقد دعم مركز الليكود موقف شارون القاضي بعدم تقديم موعد الانتخابات، مما يشير إلى أن التيار العام في إسرائيل حالياً من اليمين إضافة إلى غالبية اليسار الإسرائيلي أصبح يدعم رؤية شارون للسلام مع الفلسطينيين.

وهي رؤية تجمع بين التشدد تجاه قضايا الحل النهائي لاسيما فيما يتعلق بمسألة اللاجئين الفلسطينيين والقدس والحدود من جهة والإذعان تجاه قضايا أخرى وعلى رأسها قيام الدولة الفلسطينية في قطاع غزة وأجزاء من الضفة الغربية من جهة أخرى، وهي قضية أصبحت تحظى بدعم أميركي ودولي لا تستطيع إسرائيل تجاهلها.

والأهم من كل هذا وذاك هو أن رؤية شارون الاستراتيجية ترتكز بشكل جوهري على الرؤية الصهيونية الأساسية التي تطالب بدولة يهودية نقية على أرض فلسطين التاريخية، أو في الحد الأدنى داخل الخط الأخضر. وهذا قد يفسر فوز شارون على نتانياهو في التصويت الأخير داخل اللجنة المركزية لحزب الليكود، كما أنه قد يعكس الدور الذي سيلعبه شارون وجماعاته من اليمين واليسار في المرحلة المقبلة.

ولكن ما هي فصول الحرب الدائرة بين شارون ونتانياهو منذ استلام الأول رئاسة الوزراء في إسرائيل؟

بعد أن قدم نتانياهو استقالته من منصب وزير المالية في حكومة شارون احتجاجا على تنفيذ خطة الأخير للانسحاب أحادي الجانب من غزة، أطلق القذيفة الأولى في حربه التي تستهدف الإطاحة بشارون من زعامة حزب الليكود، وبالتالي من رئاسة الحكومة، في مؤتمر صحافي عالمي عقده في 30 أغسطس حيث ركز نتانياهو في هجومه على ثلاثة محاور.

المحور الأول يتجسد في سياسة التراجع والانسحابات من «أرض إسرائيل التاريخية» وهو ما يمثل بالنسبة لنتانياهو نكوصاً عن ايديولوجية حزب الليكود من جانب شارون وتراجعاً يؤدي بالتالي إلي حرمان شارون من شرف لقب مؤسس تكتل أحزاب اليمين في حزب الليكود، وهذا الأمر يستدعي طرده من الحزب.

وقد استخدم نتانياهو عبارات ساخنة في هذا المحور بهدف تدمير صورة شارون واستفزاز المشاعر ضده كاتهامه باختيار طريق اليساريين ومحاولة تهديم الحزب و اقتلاع اليهود من منازلهم وتحويل الآلاف منهم إلى لاجئين داخل أرض «إسرائيل» من خلال انتهاكه الصارخ لمباديء الليكود والتزاماته أمام أعضائه ومؤيديه.

أما المحور الثاني للهجوم فكان محورالفساد، وهنا استخدم نتانياهو لغة ضمنية للإشارة إلى الاتهامات التي وجهت إلى شارون وأبنائه حيث قال ان إسرائيل في حاجة إلى رئيس وزراء جديد يقتلع الفساد من الحكم والسلطة خاصة بعد أن أشارت التقارير الدولية إلى تصاعد نسب ومعدلات الفساد في الدولة.أما المحور الثالث فهو محور الديمقراطية داخل الحزب والتي رأى نتانياهو أن شارون كان قد أخل بقواعدها من خلال اتخاذ قرارات وتطبيق سياسات لم تقرها غالبية أعضاء مركز الحزب.

وترتيباً على هذه المحاور أعلن نتانياهو ترشيح نفسه لرئاسة حزب الليكود أمام شارون، ومن المهم هنا ملاحظة أن مؤتمر نتانياهو تم عقده بعد يوم واحد من صدور حكم المحكمة الداخلية للحزب بقبول الطلب المقدم من نتانياهو وأنصاره بعد اجتماع لمركز الحزب خلال الأسبوع الأخير من سبتمبر الحالي للتصويت على قرار بتقديم موعد الانتخابات الداخلية على رئاسة الحزب بحيث تجرى في نوفمبر بدلاً من موعدها الأصلي في مارس 2006.

وكان شارون يعارض بشدة دعوة المركز للانعقاد خشية من سيطرة خصمه اللدود على غالبية أعضاء المركز ومن قدرته في حالة الانعقاد من إصدار قرار بتقديم موعد الانتخابات الداخلية وبالتالي الإطاحة به في نوفمبر بعد فشله في منع الانعقاد حيث بات واضحاً أن الرياح تجري ضده، ومن هنا جاءت فكرة انفصاله عن حزب الليكود وتكوين حزب جديد يضم بالإضافة إلى أنصاره في الليكود القوى السياسية المعتدلة في الأحزاب الأخرى تجاه عملية السلام مع الفلسطينيين،

ليصبح زعيماً لحزب الوسط الكبير في الساحة السياسية الإسرائيلية. في مواجهة هذه الحرب الدائرة داخل حزب الليكود لجأ شارون إلى ساحة الرأي العام الإسرائيلي على اتساعها ليكون لنفسه شعبية تمكنه من الفوز في الانتخابات العامة أيا كان موعد إجرائها على رأس حزب الوسط الجديد، وتركزت جهوده في إقناع شرائح الشعب بأنه الزعيم القادر على تحقيق السلام مع الفلسطينيين بشروط تكفل الأمن لإسرائيل وتضمن الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية والقدس الشرقية ورفض تقسيم القدس الكبرى.

كما استخدم شارون منبر الأمم المتحدة أثناء خطابه أمام القمة العالمية التي عقدتها الجمعية العامة في نيويورك لكسب تأييد القوى الدولية باعتباره زعيم السلام في إسرائيل ولمخاطبة الرأي العام الإسرائيلي في الوقت نفسه، وقد حقق نجاحاً باهراً انعكس في ارتفاع شعبيته ارتفاعاً كبيراً طبقاً لآخر استطلاعات الرأي العام في أوساط الإسرائيليين.

وقد قال شارون ان تنفيذ خطة الانفصال عن غزة من جانب واحد بنجاح ووفاء القيادة الفلسطينية بالتزاماتها في وضع حد للعنف والتحريض ضد اليهود سيمنحنا الفرصة للمضي قدماً في اتجاه السلام حسب الخطوط التي تنص عليها خريطة الطريق. وكانت هذه الإشارة الأولى التي يربط بها شارون الانسحاب من غزة بخارطة الطريق، وقد أشعلت هذه الاشارة نيران الغضب في حزب الليكود ضد شارون لكنها منحته شعبية واسعة في الرأي العام الإسرائيلي.

لقد فاز شارون على خصمه نتانياهو وضمن الأشهر المقبلة في سدة الحكم ونجح في إضعاف الخصوم الآخرين من خلال عملية التصويت الأخيرة. ولكن هذا لا يعني أن نتانياهو ولانداو وباقي الخصوم لن يقدموا على فعل كل شيء لإسقاط شارون وحكومته، والمعركة المقبلة ستكون من داخل الكنيست الإسرائيلي حيث سيعمل نتانياهو المتطرف وزمرته المتشددة على إسقاط شارون المتطرف أيضاً وزمرته المتشددة أيضاً عن طريق الحصول على 65 صوتاً.

ولكن السؤال الحقيقي للمرحلة المقبلة هو إذا كانت المعركة المقبلة بين شارون ونتانياهو ستكون صعبة نظراً للدعم الذي يحظى به الأول داخلياً وإقليمياً ودولياً فكيف هي المعركة التي سيديرها شارون ومن ورائه من اليمين واليسار والوسط، أو حتى من يدعي أنه على يمين شارون، مع السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني.

إنها معركة القدس واللاجئين والمياه والسيادة والحدود والممر الآمن وغيرها من الملفات الصعبة وعلى رأسها ملف الإرادة الفلسطينية التي صعب على الإسرائيليين كسرها حتى الآن. إن السلام المنشود الذي يتحدث عنه الإسرائيليون بغض النظر عن الانتماء العقائدي أو السياسي للحاكم في إسرائيل لن يكون سهلاً أبداً لأن النوايا والأعمال الإسرائيلية المستمرة منذ خسارة فلسطين عام 1948 لم تتغير أو تتبدل وهي قائمة على حرق المراحل المتتالية لكسب ما يمكن كسبه من أرض فلسطينية قبل التوقيع على سلام لن يكون عادلاً ولا شاملاً ولاأبدياً.

isam997@hotmail.com

كاتب وباحث سياسي