تراجُع البرلمان العراقي أمس عن التعديلات التي سبق وأقرها بشأن التصويت على الدستور، جاء كخطوة تصحيحية وفي مكانها، خاصة وأن هذه التعديلات قوبلت برفض دولي وإقليمي. فكان لابد من العودة إلى جادة الصواب والتراجع عن هذه التعديلات. وهذا ما قاله المتحدث باسم الأمم المتحدة في بغداد أمس لوكالة رويترز، إذ وصف هذا التراجع بقوله: «إن المنظمة راضية بهذا العدول على التغييرات التي صدرت يوم الأحد الماضي».

ولاشك أن هذا التراجع من شأنه أن يقلل من بعض عوامل الالتهاب والتأزيم داخل العراق. فالوضع العراقي مشبّع بهذه العوامل وعنده منها ما يفيض عن قدرة وعائه على احتمالها. وبالتالي فهو لم يعد يطيق أي مزيد، خاصة في لحظته الراهنة؛ عشية استحقاق الاستفتاء على الدستور؛ ووسط تفاقم الالتهابات الأمنية فوق ساحته. ولذا فالمناورات الرامية إلى تكريس المعادلة القائمة من شأنها صبّ الزيت على النار.

إن التعديل السابق جرى خلسة، وكان يتنافى والمعايير الدستورية الدولية، المقبولة والمعمول بها. ذلك أنه من المتعذر، إن لم يكن من المستحيل، تأمين نسبة ثلثي المسجلين بكشوف الانتخابات. فضلاً عن أنها تطيح أصلاً بالمبدأ الديمقراطي الذي ينبغي أن يحكم الاستفتاء.

مشروع الدستور هو في الأصل محل خلاف كبير بين الأطراف العراقية. فيه بنود أثيرت حولها اعتراضات. في ضوء ذلك جرت محاولات للاستدراك من أجل تحقيق أوسع توافق ممكن. لكنها لم تبلغ الغاية المنشودة. وبدلاً من مواصلتها وتطويرها، جرى التركيز على كيفية إحباط تلك الاعتراضات وقطع الطريق على إمكانية أن تحصل ترجمتها بالتصويت وتؤدي إلى رفض الدستور بصيغته الحالية. فكان التغيير في قاعدة التصويت.

الأمر الذي حقن الوضع بالمزيد من الارتياب والتوتر. ليس ذلك فحسب، بل إن هذا التأزيم حصل في اللحظة التي بدأ فيها التحرك لإدخال التعريب على خط المشكلة العراقية. وكأنه لم يكن. يكفي الدور العربي أنه بادر وانطلق متأخراً؛ حتى يفاجئه التعقيد العراقي ليحيطه بالتعثر من البداية.

الدستور وثيقة جوهرية مرجعية. وفي دولة يجري تركيبها من جديد، مثل العراق؛ هو حجر الزاوية الأساسي. مركزيته في هذا البناء تستدعي تحقيق الإجماع حوله، وهذا لا يتحقق إلا بالتوافق العام. ومن هنا كان التراجع من جانب البرلمان العراقي.. تراجعاً في محله