من المبكر الآن إعطاء تحليل نهائي حول الوضع القائم في غزة، وما يمكن أن يفضي إليه من نتائج على صعيد إستقرار الأحوال والبدء بتشكيل نواة الدولة الفلسطينية المستقلة، لكن بعض ما وقع من أحداث وإحتكاكات بين الشرطة وأفراد من حركة حماس يبعث على القلق خاصة وأن الجانبين ومعهما منظمات أخرى سبق وأن التقوا بصورة مباشرة أو بوجود وفود أمنية مصرية.

وتم الإتفاق بينهم على كيفية التعامل مع الإنسحاب الإسرائيلي من القطاع وإحكام التعاون والسيطرة على المناطق المحررة وغير ذلك مما هو طبيعي ومنطقي في إطار الأسرة الفلسطينية الواحدة، فحدوث أي صدام بعد كل هذا الوعي بالواجب الوطني تجاه الشعب الفلسطيني يصعب فهمه إلا في نطاق صراع غير مبرر على السلطة، أو تجاوزات تضر بالمصالح الفلسطينية مهما كانت المبررات والمعاذير0

رجال الشرطة الفلسطينية الذين أسمعوا صوت الرصاص للمجلس التشريعي وهومنعقد لمناقشة تقصير الحكومة في المحافظة على الأمن والنظام وعدم وفائها بالإصلاحات التي تعهدت بها إرتكبوا خطأ فادحا وهم يستخدمون اسلوبا فوضويا بحجة المطالبة بتطبيق النظام وحث المجلس على إتخاذ قرارات حاسمة ضد حركة حماس، وهذه مسألة تفسر لنا موقف بعض أعضاء المجلس الذي يطالب بإقالة حكومة أحمد قريع وقادة الأجهزة الأمنية جميعهم0

في وضع كهذا فإن الإنطباع الذي تتركه الأحداث ليس في صالح الموقف الكلي للسلطة والقوى الفلسطينية الأخرى التي لم تفعل شيئا حتى الآن لتثبت قدرتها على إقامة نظام سياسي أو إداري يدحض إدعاءات إسرائيل بأن السلطة الفلسطينية لن تتمكن من تطبيق القانون والنظام إلا بالقضاء على حركة حماس، وللأسف فإن تلك المقولة التي توظفها إسرائيل في جميع إتصالاتها مع الدول الغربية لا تجد ما يفندها بل على العكس من ذلك فإن الإتهامات المتبادلة بين الجانبين عقب الإشتباك الذي وقع قبل يومين تصب في مصلحة وجهة النظر الإسرائيلية0

حين نقرأ المشهد الراهن سنجد أن الخلاف بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء أحمد قريع قد صعد إلى العلن، وسنرى المجلس التشريعي يخرج عن صمته إزاء كثير من القضايا المعلقة، وسنلمس أن السلاح جاهز لكل الإحتمالات، وهذا وضع بقدر ما ينطوي على الخطورة بقدر ما يفتح الطريق أمام الحقائق كي تظهر على طبيعيتها أمام الشعب الفلسطيني الذي يمكن أن يقول كلمته في الوقت المناسب0

بإختصار هذا وقت الحسم، ومن الطبيعي أن يرتفع صوت الجميع بما كانت تخفيه الصدور وحتى إذا كان ما فعله أفراد من الشرطة الفلسطينية أمس من تظاهر بواسطة الرصاص قد أعطانا فكرة عن طبيعة تلك القوات فإن ذلك هو الدرس الذي تحتاجه السلطة الوطنية لتعيد تنظيم قوات الأمن على اسس من الضبط والربط العسكري وإلا فإن فاقد الشيء لا يعطيه، ولا بأس أن يحسم البرلمان الفلسطيني موقفه من حكومة قريع، وأن يحسم الرئيس عباس موقفه من الجميع بحكم موقعه كرئيس منتخب للشعب الفلسطيني0

لذلك فتأخير الحكم على ما يجري في غزة له ما يبرره، ولن يمر وقت طويل حتى نعرف الطريق الذي ستسلكه الأطراف الفلسطينية، هل هو طريق الحرية والإستقلال وبناء الدولة الحضارية المنتظرة، أم طريق الخلاف والتنافر والفشل ؟

ولكننا مع ذلك نأمل في أن تمنع قداسة الدم الكثير وشرف الكفاح الذي خاضه الشعب الفلسطيني طويلا حدوث ما لا يليق بعدالة وقدسية القضية الفلسطينية، ونكاد نكون على ثقة بأن الشعب الفلسطيني قادر على تجاوز هذه المرحلة بكفاءة وخبرة وإقتدار.