عندما يهل علينا رمضان في كل عام نزداد عطشاً للتواصل، وتزداد مشقة البحث عن جيران من حولنا، نستعيد معهم ما افتقدناه من ذلك الارتباط الوثيق بين أبناء الحي وتلك العلاقات الاجتماعية الحميمة التي كانت تربط النسيج الاجتماعي في منطقتنا.

بتنا نتلهف إلى تلك الأيام الخوالي التي كنا نقضيها مع الأقارب والجيران في دعة وحبور، نتبادل الزيارات ونتسامر على هلال رمضان، ونتكاتف في الأحزان والمسرات، ونضرب أروع المثل في المجتمع المتكافل المترابط المتعاون.

كم كانت فرحتنا عظيمة عندما علمنا بأن الجار الذي تفصلنا عنه بضعة بيوت قد حصل على قطعة أرض في منطقة سكنية جديدة، وباشر في تأسيس مسكنه. كانت سعادتنا تعادل حزننا اليوم بعد أن انتقل وسلم مفتاح منزله إلى بعض الشركات لتحوله إلى مجمع سكني لعمالها، وهو المصير الذي طال البيوت التي تجاورنا، حتى صحونا ذات يوم فلم نجد بيتاً يسكنه مواطنون في حينا سوى الذي نقطنه.

في رمضان اليوم نشم رائحة الطعام منذ الصباح الباكر تنفثها مراوح التهوية من المطابخ فتنبعث في السكيك والحارات، في إعلان صريح عن مقاطعة الصيام، وبات ذاك الحي السكني المحافظ يشهد في رمضان مظاهر ومناظر لم يعتدها قط.

بل أجزم أنها لم تدر في خلد عتاة الفوضويين الشباب الذين كانوا يستعرضون عضلاتهم بين أبناء الحي أن يسلكوا تصرفاً من تلك التي يأتي بها هؤلاء العزاب الآسيويون، الذين لا يراعون حقاً من حقوق الجوار، ولا يعرفون حرمة لشهر رمضان، ولا يردعهم خلق ولا دين من نشر غسيلهم على السطوح وهم يتلصصون على المساكن من حولهم.

لقد بتنا نضع أيدينا على قلوبنا ونبتهل ان يتقبل الله صيامنا ونحن نشهد في المسكن الواحد عشرات العمال والعاملات من أصحاب المهن البسيطة يخرجون إلى أعمالهم كل صباح، ويقضون بقية اليوم في التجوال بين الحواري والفرجان بملابس تكاد تفضح أكثر مما تستر، ولا يتردد بعضهم عن نفث دخان سيجارته أو تناول قهوة الصباح أمام مقر إقامته وهو ينتظر الحافلة التي تقله إلى عمله.

وبينما نمنع أطفالنا من ممارسة براءتهم، أو الخروج إلى محل البقالة المجاور، نأمل ألا يستمر مثل هذا التناقض الذي لم يعهده جيلنا، ولا نتمناه للأجيال المقبلة، ذلك إننا نعول على مؤسساتنا ذات العلاقة مسؤولية تنظيم المناطق السكنية.

، وإعادة الخصوصية التي انتزعت من الأحياء التي خصصتها الدولة لإقامة العائلات المواطنة، ووضع حد لكل من تسول له نفسه أن يضرب بقيم وعادات وتقاليد هذا البلد وأهله عرض الحائط، فيروي نفسه من خيرات بلدنا، ويجرح صيامنا في عقر دارنا.

darwish@albayan.ae