لا ضير، أحياناً، في مواجهة الذات بالمرآة، بعيداً عن جلدها. ذلك لا يحدث من دون مقارنات مع الآخر، حتى وان كان نقيضا. يمكن هنا الإشارة إلى مصطلح «المجابهة الإيجابية» مع الغير.
أعاصير الولايات المتحدة الأميركية. هزت مقولة درج على ترديدها بعض المراقبين الأميركيين أنفسهم بشأن خواء الشخصية الأميركية وافتقارها إلى الإيمان بعقيدة ما. المذيعة الأميركية الشهيرة أوبرا وينفري تزعمت مؤسستها حملات واسعة لإغاثة المنكوبين. كان يكفي مشاهدة أحد المتطوعين ينتحب بحرقة غير معتادة لمرأى رضيع يجف عطشاً.
أو لعجوز أبيض يقدم دامعاً منزله لعائلة مشردة سوداء، كان يكفي ذلك لإعادة النظر في ما ترسخ عن خواء المجتمع الأميركي من نظام أخلاق نقيض تماما لقسوة السياسة الخارجية للمحافظين الجدد في إدارة جورج بوش مثلاً. نحن إذاً، إزاء فهمٍ جديد.
درجت الإدارات الأميركية المتعاقبة، على حشر ما تبقى من الطبقة الوسطى العربية، بمفكريها ومقفيها في زاوية الخيارين الأحلاهما مر: الانحياز إلى دعوات الإصلاح الأميركية. أو الارتماء في أحضان التطرف الراديكالي.
على هذا كان من السهولة الخالصة صبغ الصراع الدائر في غير بقعة بالجانب الايديولوجي، ولاسيما أن بوش لم تسعفه زلات لسانه بشأن «الحرب الصليبية» في تفادي ذلك رغم تكراراته بشأن «الإسلام دين سلام».
الذين يرفضون الأساليب الأميركية، الفجة في «فرض الديمقراطية» بالقوة الشاملة طبقا لكوندوليزا رايس، والذين هم أنفسهم يرفضون أيضا الخطاب الأصولي المتطرف، وجدوا ان لا طريق أمامهم، مع استفحال التصعيد بين المحافظين الجدد في واشنطن، والمتصلبين في رؤاهم الأحادية اينما كانوا.
ولنعترف بأن ردة الفعل لدى العامة من العرب والمسلمين كانت طبيعية في ظل التركيز الإعلامي الغربي على تضخيم «الملاحقات القتالية» لمجموعات «القاعدة» وتصويرها على أنها حرب بين دبابات وقاذفات عملاقة «ديمقراطية» وبين مجموعات إسلامية نقيضة.
وكأن خيار الديمقراطية في حد ذاته بات حكراً على محافظي الإدارة الأميركية، والتطرف أيضاً بات وكأنه حكراً على المجموعات الإسلامية.نعلم أن الأصولية لها جذور ضاربة في جميع الديانات، كما نعلم أن غالبية كبيرة من قوى المجتمعات تفضل طريقاً ثالثاً.
الطريق الثالث هذه هي تلك التي ترفع شعاراً مضاداً للسياسات الأميركية الحالية إلى جانب أساليب المتطرفين. الشعار يقول ببساطة اتركوا لمجتمعاتنا فسحة من الحرية والاستقلالية لاختيار ما نراه مناسباً لها من أنظمة اقتصادية وسياسية وحتى أيديولوجية.السياسية القائمة تخدم المتطرفين على جانبي المعادلة: المحافظون والمتطرفون، وتأتي على حساب قوى المجتمعات المدنية العربية.
الأخطر أنها تقنع العربي بعبثية فكرة محاولة التأثير في الرأي العام الأميركي لمصلحة قضاياه، وهو ما تدحضه بقوة أوبرا وينفري التي اشتهرت بملاحقة الجوانب الإنسانية في الشخصية الأميركية وكشفها عن مجال واسع لدى هذه الشخصيات مع قضايا الآخر. إن نجح الأخير في ترويج وجهة نظره.