في مثل هذا اليوم قبل 32 عاماً، كان الجنود المصريون على الضفة الغربية من قناة السويس يقضمون عيدان القصب في واحدة من أكثر عمليات التمويه والخداع فعالية في تاريخ حروب القرن العشرين.

كان يفصلهم عن حرب اكتوبر يوم ونصف تقريباً، لكن عملية الخداع مضت الى شوطها الأخير حتى ساعات قليلة من قيام الجيش المصري والسوري بشن هجومهما المنسق بعد ظهر 6 أكتوبر 1973.

قبل ساعات من الضربة الجوية، كانت رئيسة وزراء اسرائيل وقتذاك غولدا مائير تتصل بقادة الاستخبارات العسكرية وتبلغهم بقلق ان لديها تقارير تفيد باستعداد المصريين لشن الحرب. لكن رئيس مخابرات الجيش الاسرائيلي وقتذاك الجنرال ايلي زعيرا كان يرد ان التقارير الواردة من الجبهة تفيد ان الجنود المصريين مسترخون ويتلهون بقضم عيدان القصب.

وفي غمرة استعداده لحرب أكتوبر 1973، كان الجيش المصري يتدرب على اجتياز مانع قناة السويس في بيئة مشابهة في صحراء مصر الغربية. كان الغرض هو إنجاز عملية العبور في أقصر مدى زمني ممكن وبأكبر قدر من الفعالية والدقة.

كان آخر رقم توصلت اليها مناورات وتدريبات الجيش المصري قبل الحرب هو 10 ساعات. لكن يوم انطلاق الحرب، تمكن الجيش المصري من تنفيذ العبور والسيطرة على خط بارليف في 6 ساعات.

اما اختيار يوم الحرب، أي 6 اكتوبر فمرده جهد واستقصاء علمي قبل أي شيء آخر. لقد درس المصريون حركة التيارات المائية في قناة السويس وتوصلوا الى ان حركة المياه مداً وجزراً في القناة ستكون صفراً في ذلك اليوم. اجتياز الساتر الترابي حسب الراحل المشير عبدالغني الجمسي رئيس عمليات الجيش آنذاك، لم يتطلب اكثر من استيراد أنابيب مياه ضغط عال قيل للمصدرين الاوروبيين انها مطلوبة لأغراض زراعية.

حرب أكتوبر التي تحل ذكراها الثانية والثلاثون غداً الخميس بامكانها ان تحفز مقارنات لا تنتهي إذا ما وضعت في سياقها الطبيعي دون تهويل أو تهوين. قد تفتح نقاشاً طويلاً ما بين مقاربتين متطرفتين تتعاملان معها اما تعظيما أو تهوينا من شأنها. لكن استعادة هذه الحرب ستقودنا الى سؤال أساسي هو المتعلق بالتحدي.

مثل هذه التفاصيل عن الحرب تدلنا على الأثر البالغ الذي يمكن ان يحدثه الاحساس بالتحدي والتعامل معه. حرب أكتوبر هي بامتياز نتاج لهذا الاحساس الهائل بالتحدي الذي فرض نفسه لا على المصريين والسوريين فحسب بل على البلدان والمجتمعات العربية بأسرها.

نقطة البداية هنا هي هزيمة 1967. إن واحداً من أكثر التفسيرات التي ترددت لتفسير ما أطلق عليه «الصحوة الإسلامية» هو هزيمة العام 1967. واذا ما سايرنا هذا التفسير سيتعين علينا ان نرصد مسارين مختلفين للتعامل مع تأثير حدث كهزيمة 1967 على مجتمعات بأسرها.

سياسياً، أدت هزيمة 1967 الى تحولات راديكالية على مستوى تلك المتعلقة بتحولات حركة القوميين العرب تجاه اليسار أو بذر الأنوية الأولى لما عرف لاحقاً بالصحوة الإسلامية. هكذا، وفيما كانت الجماهير المصدومة تبحث عن الحلول والعزاء في الأيدلوجيات (اليسار والإسلام)، كانت الأنظمة تسير باتجاه آخر للتعامل مع التحدي الذي فرضته هزيمة 1967.

هنا يمكن النظر في استعداد النظام للحرب في مصر باعتباره استجابة للتحدي قبل أي شيء آخر. وتلك التفاصيل المتعلقة بالحرب واداء القيادة السياسية والعسكرية تأتي في السياق الأشمل لهذه الاستجابة.

تلك التفاصيل كانت ثمرة لنوع محدد من الاستجابة تعامل مع التحدي للتغلب عليه بالدرجة الأولى. من هذه الزاوية فقط، يمكننا ان نتتبع المسارين وان نجد أنفسنا أمام لحظة صدام كانت حتمية لكن مؤجلة بين المسارين.

الصحوة الإسلامية أثمرت ما أثمرت طيلة العشرين عاماً الماضية في مصر وغيرها من البلدان العربية حتى اليوم. أما المسار الآخر، فقد كان من الممكن ان يبدو مساراً طبيعياً لبلد تريد ان تنهض وتبني نفسها من جديد لكن على الصعيد الاقتصادي فحسب دون السياسي. أو اذا شئنا الترفق بوتائر متسارعة في الاقتصاد وابطأ بكثير في السياسة.

هذا التعطيل للمسار السياسي لثمار الحرب داخلياً، جعلها تبدو أقرب لميراث يجدد الشرعية السياسية للنظام أكثر مما يقوده الى عملية تطور ونمو سياسي متدرج وطبيعي. النتيجة تتضح اليوم:

أول انتخابات رئاسية تعددية في مصر تجري في 2005 بعد اثنين ثلاثين عاماً من الحرب. اما ذلك الاحساس بالتحدي والاستجابة له فقد غاب وتراجع. يمكننا شحذ خيالنا قليلا لكي نتأمل فيما يمكن ان يقود اليه احساس التحدي لو اننا كنا نتحدث عن الإصلاح الداخلي لا عن الحرب.

قبل اثنين وثلاثين عاماً، كنت قد امتلأت حبوراً مثل أي مراهق عندما اندلعت الحرب. وها أنا أستعيدها اليوم في أواخر الأربعين من عمري من زاوية واحدة يتيمة قادني اليها التاريخ. أحد أبناء جيل عربي بأكمله ظل يرقب مساراً طبيعياً لأمة استعادت ثقتها بنفسها في لحظة تاريخية عندما قبلت التحدي وتعاملت معه لاجتيازه قبل ان يقودها ميلها للنكوص الى الوقوع في حبائله من جديد.

كاتب بحريني