الصدفة وحدها أدخلتني ضمن الوفد الاقتصادي الكويتي الذي ذهب إلى الأردن يوم 25 ـ 28 سبتمبر، برئاسة السيد علي الغانم رئيس غرفة التجارة والصناعة الكويتية التي رتبت برنامج الوفد وحرصت على أن يكون الوفد ممثلاً لشركات لها نشاطات اقتصادية في الأردن.

ولها ثقلها المالي، وتملك الكفاءة التجارية والوزن المقنع، ووجدت نفسي مع عشرين كويتيا يمثلون شركات كويتية كبرى من صناعيين ومستثمرين وخبراء في فنون صناعة المال والاستثمار.

ووجدت نفسي مع الصحافي المشتعل دائماً أحمد الجارالله ـ رئيس تحرير السياسة الكويتية ـ في سيارة واحدة، الذي يتبادل الأدوار، أحياناً يمارس التجارة ومعظم الأحيان يمارس الصحافة خلال اللقاءات المتواصلة، التي تمت في الأردن.

منذ أسابيع كتبت مقالاً عن الأردن بعنوان «غضب الملوك..» في تعليق على خطوة الملك عبدالله الثاني في دعوته لكبار رجال السياسة الأردنية للاستماع إلى خطاب غير مسبوق، وفوجئت بأن المقال أخذ حجماً في الانتشار أكثر مما توقعت، في إشادات خاصة من الذين ينتسبون إلى المدرسة السياسية والاقتصادية الأردنية الجديدة.

منذ الوصول إلى مطار عمان، شعرت من خلال تنظيم الاستقبال وبرامج الزيارة بأن منهجاً جديداً يحرك الأردن، في حياته السياسية والاقتصادية، وأن الديناميكية المميزة والحديثة جاءت من توجيهات الملك عبدالله الثاني، الذي رسم لوحة للأردن بشكل مغاير للسابق، ونحت صورة مختلفة عن الأردن الذي تابعناه في السابق، وأود ان أبدي بعض الملاحظات عن تلك الزيارة ومعانيها، وأبعادها في مفهوم الأردن.

أولاً: تصادف وجود الوفد الكويتي الاقتصادي مع زيارة نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع الشيخ جابر مبارك الحمد الصباح، الذي قام بتسليم رسالة إلى الملك عبدالله واجتمع مع رئيس الوزراء ورئاسة الأركان في خطوة رسخت الشراكة الكويتية ـ الأردنية التي سعى لها الأردن بوضوح ومثابرة، وتزامنت مع زيارة وزير التجارة الكويتي السيد عبدالله الطويل الذي شارك في اجتماعات وزراء التجارة العرب للتنسيق للجولة القادمة لاجتماع منظمة التجارة العالمية.

وشعرت بأن هذا الحضور الكويتي البارز وغير المتوقع، يصب في المصالح المشتركة ويعزز الخطة السياسية والاقتصادية التي رسمها الملك والتي يتولى الوزراء تنفيذها بإشراف مباشر من الملك نفسه.

في اليوم الثالث من الزيارة ذهبنا للقاء الملك في قصر «بسمان»، بعد ان تم الاتفاق على ان يتولى السيد علي الغانم رئيس الوفد الكويتي تقديم موجز عن القراءة الكويتية للنهج الأردني متضمنة الشكر على التسهيلات والتنظيم المريح للزيارة.

جاء الملك الذي استمع إلى ملخص من أحد المختصين الأردنيين عن جولة الوفد، وتحدث بعده الملك مرحباً وشارحاً، لكن أكثر من ذلك، مجدداً التأكيد على استعداده شخصياً للتدخل لحل المعلقات والمشاكل التي تؤخر النشاط الكويتي الاقتصادي في الأردن. ولم يتطرق الملك إلى قضايا سياسية، وإنما جاء التركيز على الشراكة التجارية الأهم في فكر الملك.

يتحدث الملك ببساطة وتلقائية وتواضع، لكن وراء تلك النزعة الطيبة إرادة حديدية لتوجيه المسار الأردني لأولويات اقتصادية وتنموية. يشغل بال الملك حاجة المواطن للعمل ويشغله استقرار الأردن، ويشغله توثيق العلاقات مع الجيران ومع العرب وغير العرب في آسيا وأوروبا وأميركا.

يرسم الملك فصلاً جديداً وحديثاً للأردن المستنير الذي يسعى لتوطين الاستثمار الخليجي والعالمي، ويبني البيئة له، ويشرع اللوائح والقوانين المشجعة له، ولا يتراخى في تعميق ركائز الأمن والاستقرار وهما ركائز التنمية.

وجاءت ملاحظات رئيس الوفد الكويتي السيد علي الغانم في رده على مداخلة الملك ترحيباً بالخطوات الأردنية والإشادة بالحماس الذي رافق زيارة الوفد، وتقدير المشاركين للنهج الأردني الجديد.

وربما من باب الصدف أيضاً، أن الوفد يضم شركات لها استثمارات كبيرة في الأردن، مثل مجموعة الخرافي تملك الشركة الأردنية ـ الكويتية القابضة التي تبني مطار الأردن الجديد، ولها برنامج مستقبلي كبير، وأنا شخصياً ممثلاً لمجموعة مشاريع الكويت التي تملك البنك الكويتي ـ الأردني ولها مصالح واستثمارات في الأردن.

ثانياً: يحتاج الأردن لكي يحقق أحلام الملك في بناء واحة الاستثمار المستقر، إلى كسب ثقة المستثمرين ليس فقط في النوايا ولا في القوانين وإنما في تثقيف الرأي العام الأردني وتنويره في عوائد الانفتاح والتخصيص وتخفيف أعباء الدعم.

فقد لمست هناك شكاوى من ارتفاع أسعار المحروقات، ولا يوجد مبرر للتأخير في التنوير والشرح ومخاطبة الرأي العام مباشرة من قبل الفريق المسؤول عن التنمية الذي اختاره الملك وأظهر كفاءة عالية وتفاعلاً مع الاستراتيجية الملكية الجديدة.

ولكن أكبر التحدي الذي يواجهه الملك في مشروعه الذي يطوي صفحة الماضي ويفتح عهداً جديداً هو التقلبات الأمنية والسياسية الإقليمية، فوضع الأردن دقيق في القضية الفلسطينية التي يجب ان تدفع الملك لتنفيذ خارطة الطريق، الأمر الذي يتطلب صرامة الموقف ووضوحه للمساهمة في وقف الاضطراب الأمني في غزة والضفة.

ولا يريد الملك الإسقاطات السلبية على مسيرة الأردن، ولهذا يتحرك دائماً لحشد الاهتمام العالمي لا سيما في واشنطن لإنعاش الآمال في تحقيق الدولة الفلسطينية.ولا يتجاهل الملك صراع التجمعات السياسية داخل الأردن، ولكنه لا يعطي أصحاب الثرثرة وصالونات السفسطة والتنظير دوراً يؤثر في البناء الأردني الحديث.

ثانياً: استمعت إلى مداخلات من رئيس الوزراء ومن الوزراء المختصين حول «أردن الاستثمار» وعزمه الاستفادة من الاستثمارات الخليجية والطفرة المالية، وهي الشراكة المستقبلية التي يريدها الأردن مع الخليج.

والاستنتاج في هذا المجال، أن الأردن يعلق الكثير على ترابطه مع مجلس التعاون سياسياً واقتصادياً لمسببات كثيرة، من ضمنها غموض الجوار الجغرافي في سوريا ولبنان، وتوتر الامتداد الأمني في غزة والضفة وتبدل الأولويات العربية.

خرجت من الأردن بشعور بأن الملك حدد استراتيجية فيها التحدي الجغرافي حيث يريد الأردن نمراً آسيوياً آخر.وأشيد بكفاءة الوزراء الذين استمعت إليهم وهم في الثلاثينات من العمر، حماساً في العمل وتفاهماً مع أحلام الملك.

وتقديري بأن المصلحة الخليجية تفرض علينا دعم الملك في مسعاه السياسي والاقتصادي في تعميق الانفتاح وفي توسيع الاعتدال، وهو محارب نيابة عنا ـ في الخط الأول ضد الفوضى والمزايدة والتطرف القومي والديني.

ونشيد بجهود رئيس غرفة التجارة والصناعة الكويتية السيد علي الغانم الذي تحدث دائماً بصوت الوضوح والعقل، وكان ممثلاً ليس للدبلوماسية الاقتصادية الكويتية، وإنما للسياسة الخليجية العامة تجاه الأردن.

وتظهر جهود السفير الكويتي في عمان السيد يوسف العنيزي في التنظيم وفي إسهامه في النهوض بالعلاقات الثنائية، وشعرت بمكانته الأردنية الخاصة في الحشد الكبير من السياسيين والاقتصاديين الذين شاركونا في الغداء الذي أقامه للوفد وفي البرامج المكثفة التي أعدتها غرفة التجارة الأردنية.

رئيس المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية ـ الكويت