تشكل اللغة مكوناً حضارياً أساسياً في أي مجتمع إنساني، وهي عنصر عميق التأثير مستقر في وجدان الناس وممتد في تاريخهم، ولا يمكن لأي سلطة أن تلغيه أو تستبدل به شيئا آخر؛ لأنها بذلك تلغي شرطا أساسيا من شروط إنسانية الإنسان وتميزه الحقيقي عن كل الكائنات التي تشاركه الحياة على هذه الأرض.

وتستمد اللغة أهميتها من أبعاد كثيرة؛ فهي أداة التواصل والتعبير، وهي وسيلتنا لاكتشاف العالم من حولنا وصياغة المعرفة به وعنه. وهي الوجود المادي الملموس للفكر؛ فاللغة ليست ناقلة للفكر أو معبرة عنه فقط، بل هي التي تصوغه وتكوّن حركته الداخلية المستمرة؛ فكثير من الدراسات اللغوية الحديثة تؤكد أنّ «التفكير لا يملك لنفسه ثباتا ولا تطورا إلا إذا كان ضمن لغة من اللغات».

إنّ ذلك يشير إلى أنّ التمكن من اللغة شرط للتمكن من المعرفة والعلم؛ فكلما كانت لغة الفرد أكثر عمقا وغنى كانت قدرته على التفكير والفهم والتعبير أكثر وضوحا وأشد أثراً، وهذا أمر يعرفه كل واحد فينا، ولكنه لشدة الإلف به أصبح ثاويا وراء الوعي والإدراك.

ولعل التمثيل بما يحدث في عقول كثير من المتعلمين اليوم وهم يدرسون علومهم باللغة الإنجليزية يشير إشارة قاطعة إلى عمق تأثير اللغة في تكويننا العقلي والعاطفي والمعرفي؛ فحين يُسأل الطالب سؤالا بالإنجليزية في مادة من مواد تخصصه العلمي تكون آلية التفكير في عقله باللغة العربية (وهذا ما يقوله الطلاب أنفسهم).

ثم يبدأ بعد ذلك بآلية التحول من العربية إلى الإنجليزية ليجيب بها معبراً عن مدى فهمه لموضوع السؤال، وهو في رحلته من العربية التي فكّر بها إلى الإنجليزية التي سيعبر بها يبذل جهودا مضاعفة، ويفقد الكثير من العمق والدلالة والمعرفة بالموضوع لفقر أداة التعبير التي يطالب بأن يستخدمها.

إن استخدام اللغة الإنجليزية في التعليم في معظم التخصصات العلمية استجابة لمتطلبات سوق العمل يغفل أبعادا أخرى كثيرة لها من الأهمية ما يفوق ضمان وظيفة لشاب أو شابة يضعان خطواتهما الأولى على طريق الحياة العملية، فطلابنا يعانون من حالة من اختناق الوعي.

وتسطيح المعرفة ومحاصرة الفكر؛ لأنهم يتعاطون العلم بلغة ليست لغتهم ولا تملك أن تمتد في وجدانهم وعاطفتهم وتفكيرهم امتدادا يشابه لغتهم الأم، وآليات التفكير التي يقومون بها للفهم والتعبير تشكل ضغطا نفسيا عظيما عليهم.

وتشترط أن يبذلوا جهودا لغوية كبيرة تستهلك وقتا وطاقة عقلية كان أولى أن تستثمر في تعميق معرفتهم ومد آفاق علمهم بما يدرسون. ولذلك يبقى معظمهم طافيا على سطح المعرفة لا يملك أن يغوص في أعماقها ليحقق شروط امتلاكها امتلاكاً حقيقياً.

وإننا لو تأملنا سوق العمل تأمل الفاحص المدقق لوجدناه في معظم مجالاته يحتاج إلى اللغة الثانية لتكون لغة التواصل اليومي في المحادثات والمراسلات. وفرق كبير جدا بين أن تكون اللغة لغة تواصل يومي مرتبطة بحاجات العمل الآنية المتغيرة وبين أن تكون لغة تؤسس المعرفة وتؤصل العلم وتمكن الدارسين من مفاتيح ما يدرسون فتنقلهم من طرف الحافظ للعموميات إلى طرف القادر على تجاوز سطح الفهم إلى أعماق التأمل والتفكير والنقد والإبداع الخلاق.

وليس القصد هنا إهمال اللغات الأجنبية مثل اللغة الإنجليزية أو إسقاطها من متطلبات التعليم العالي، فهذا أمر ينافي الواقع والطموح الذي يستشرف للمجتمع موقعاً متميزاً وتأثيراً حقيقياً في الرقي والنهوض؛ فمعرفة لغة ثانية لا تعني فقط ضماناً للشخص أن يجد فرصته في أسواق العمل.

ولكنها تفتح أمامه أبواب التعرف على مضامين فكرية وعلمية وحضارية جديدة مما يحقق شرطا مهما من شروط أي مشروع حضاري طموح، وهو شرط التواصل والانفتاح على الآخر والقدرة على فهمه والدخول معه في حوارات تغني الطرفين على حد سواء.

وهناك فرق كبير بين أن يجيد الإنسان لغة ثانية أو ثالثة ليوظفها في حياته العملية ويستفيد منها في ثراء فكره وروحه وإغناء ثقافته وتمكينه من التواصل مع الآخر بحرية ويسر وبين أن تفرض هذه اللغة الثانية لتكون لغة العلم والتعليم فتزاحم اللغة الأم بغير وجه حق إلا لكونها مطلباً من مطالب سوق العمل. فهل أصبح التعليم عندنا موجهاً لتلبية متطلبات السوق فقط؟

وهل اختزلت رسالة الجامعات لتصبح مصانع تصدر الموظفين الذين تتحقق فيهم شروط السوق؟ وهل أغفلنا الرسالة السامية المنوطة بمؤسسات التعليم العالي والتي تضع على عاتق هذه المؤسسات أن تكون منارات لا يخبو ضوؤها للعلم والمعرفة وبيوتاً يربى فيها العلماء والمثقفون الذين ينتظر منهم أن يحملوا أمانة صناعة المعرفة وتحقيق المشروع الحضاري الكبير؟

إنّ التخطيط للتعليم ووضع الاستراتيجيات التي تكفل للمتعلمين النجاح في الحياة العملية بعد تخرجهم لا يتوقف فقط على متطلبات سوق العمل، وليست العلاقة بين سوق العمل ومؤسسات التعليم علاقة الفعل ورد الفعل أو الاستجابة الآلية السريعة المجردة من التخطيط وعمق النظرة وبعد الأفق.

إنّ الضغط الذي تمارسه أسواق العمل على أبنائنا يعطي اللغة الإنجليزية مكان الصدارة ويضفي عليها من الأهمية ما يجعل الكثيرين من الناس يغفلون عن خطر التحول الكامل إلى التعليم بها، وفرضها على أبنائنا الطلاب في معظم التخصصات بغض النظر عن التأثير الخطير الذي تمارسه اللغة الأجنبية في تسطيح التعليم وخواء العقول.

اللغة أكبر وأثمن من أن تكون أداة للتعبير ووسيلة لنقل الأفكار والمشاعر، إنها ملتحمة بتكوين المرء وحضارته وتاريخه ودينه، ولها حضور طاغ في كل فعل أو نشاط يمارسه، وهي لا تغيب حتى إن غاب النطق بها. وإذا كان «لا سبيل إلى معرفة الأشياء إلا بتوسط اللغة» فبأي حق نقحم بيننا وبين العالم من حولنا لغة ليست لغتنا؟

جامعة الإمارات