ربما بسبب الاحساس بالسخن والاستشعار بالخطر الداهم، قرر الوضع العربي، أخيراً، وبعد أكثر من سنتين ونصف السنة على احتلال العراق، التحرك باتجاه بلاد الرافدين الغارقة بالمصائب والمحاصرة بالتهديدات من كل لدن وصوب.

اللجنة العربية الخاصة بالعراق التي أنهت اجتماعاتها أول أمس في جدة، ارتأت إيفاد الأمين العام للجامعة العربية إلى بغداد «في القريب العاجل»، للتداول مع كل القوى والأطراف السياسية هناك بشأن التحضير لـ «مؤتمر وطني للمصالحة»، أطلق عليه البعض اسم «الطائف» مبادرة محمودة ولو متأخرة.

الأجواء والردود التي رافقت وأعقبت هذا القرار، اتسمت بالايجابية أولاً ثم اتخاذه بحضور ومشاركة وزير الخارجية العراقي، هوشيار زيباري الذي اثنى على المبادرة. بل هو أكد على «حاجة العراق الى دور ووجود عربي فعال ومؤثر في هذه المرحلة الانتقالية». وأضاف أن الأمين العام سيلتقي القيادات من أجل الوفاق الوطني والمصالحة».

كلام واضح وصريح بترحيبه بدور عربي في المحنة العراقية. وربما هو الأول من نوعه الذي يصدر عن مسؤول عراقي. وهذا بحد ذاته مشجع، ويصب أيضاً في هذا المجرى ما صدر من رود فعل عراقية، من مختلف التلاوين، على هذه المبادرة، والتي تراوحت بين الترحيب وبين التحفظ في أسوأ الحالات.

وبذلك تبدو البيئة وكأنها باتت جاهزة لحضور عربي مساعد في العراق. الشكوك والفتور وحالة الجفاء تراجعت على ما يظهر ومن الجانب العربي، تمثل المبادرة عودة عن التردد والرغبة في الابتعاد عن النار العراقية. والمعروف ان ذلك حصل على خلفية هبة مفاجئة رفعت الصوت عالياً وبلغة التحذير الشديد بخصوص المخاطر المحيطة بالوضع العراقي.

الداخلي منها والاقليمي. وعلى الفور تكثفت الاتصالات واللقاءات وارتقت الى مستوى الحراك الرامي الى توفير شروط عقد مؤتمر للمصالحة العراقية.

الآن تبرز جملة تحديات، على الموقف العربي الجديد التصدي لها اذا أراد لمبادرته ان تؤتي ثمارها. أبرزها مسألة الاستفتاء المتوقع في 15 الجاري. فهذا الاستحقاق قد يكون قنبلة موقوتة ما لم يصار الى تعطيل صاعقها سلفاً.

غياب التفاهم المسبق حوله من شأنه تعطيل التحضير لعملية المصالحة، التي باتت أكثر تعقيداً وربما نسفها من الأساس. ثم هناك العوامل الاقليمية، التي لابد وانها تزيد من صعوبة المهمة وتعقيداتها. وأيضاً هناك الواقع الاحتلالي والوضع الأمني المتدهور. ناهيك بالمناخ الطائفي الفئوي المستشري.

فهذه المعطيات حصل فيها تراكم كبير مع مرور الزمن والآن يأتي الدور العربي في هذه المحطة المتأخرة ليواجه بها وبصعوباتها وتحدياتها. لكن في الوقت ذاته ربما كان لعامل الزمن «إيجابياته»، لو صح التعبير.

فالعراقيون لابدّ وأنهم اكتشفوا مع مرور الوقت كم جلبت لهم هذه الاشكاليات من مآسٍ وعذابات.. ولعلهم في ضوء ذلك، يلتقون مع الدعوة العربية للمصالحة ليعود اليهم عراقهم ويعودون هم والعرب إلى بعضهم البعض.