حتى بعد أكثر من 40 عاماً من تقدمها بطلب رسمي للانضمام إلى عضوية المجموعة الأوروبية (السوق الأوروبية المشتركة سابقاً والاتحاد الأوروبي حالياً) لا يزال الباب مغلقاً أمام تركيا لا لأي سبب موضوعي .. فقط لأنها دولة مسلمة.
ولو كان كمال أتاتورك الذي أسس تركيا العلمانية منذ أكثر من 80 عاماً على قيد الحياة الآن لسقط ميتاً من شدة الصدمة. ففي سبيل فصم تركيا نهائياً عن العالم الإسلامي والانتماء ثقافياً وحضارياً إلى أوروبا المسيحية جعل هذا الزعيم من «العلمانية الأتاتوركية» بديلاً كاملاً عن الإسلام شمل مؤسسة الدولة والمجتمع معاً.
والآن وبعد أكثر من أربعة عقود لم يضعف الطابع العلماني في تركيا على مستوى مؤسسة الدولة بل ازداد قوة واتسع نطاقه. ومع ذلك فإن مجموعة دول الاتحاد الأوروبي تتعامل مع الطلب التركي للانضمام بمماطلة تقترب من الرفض المباشر.
في ديسمبر من العام الماضي وافق رؤساء دول الاتحاد أخيراً على بدء التفاوض مع تركيا اعتباراً من أكتوبر الحالي. ولكي تحصل تركيا على هذا الوعد فإنها نفذت شروطاً وضعها الرؤساء أبرزها إلغاء عقوبة الإعدام وقبول استعمال اللغة الكردية في المدارس وإلغاء محاكم أمن الدولة وإجراء تعديلات في القانون الجنائي بما يؤدي إلى إلغاء بنود قانونية مستمدة من الشريعة الإسلامية مثل إعدام الزاني.
هذه الشروط لم تكن الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة. فكلما استوفت تركيا شرطاً أو مجموعة شروط لكي تتأهل ليس لدخول عضوية الاتحاد وإنما فقط للسماح ببدء عملية تفاوضية معها حول طلبها تعمد دول الاتحاد إلى مفاجأتها بشرط أو شروط جديدة.
قبل أسابيع فقط من الموعد المضروب للتفاوض طلعت بعض دول الاتحاد بشرط جديد وهو ان تعترف تركيا أولاً بجمهورية قبرص. كان طلباً تعجيزياً لأن في قبرص جمهوريتين:
جمهورية للقبارصة اليونانيين يعترف بها الاتحاد الأوروبي وأخرى للقبارصة الأتراك لا يعترف بها الاتحاد. وإذن فإن اعتراف تركيا بالجمهورية اليونانية في الجزيرة يعني تلقائياً سحب الاعتراف من «الجمهورية» التركية.
وبينما لا يزال هذا الأمر موضع أخذ ورد بين تركيا والاتحاد الأوروبي اتخذ برلمان الاتحاد قراراً يقضي بعدم التفاوض مع تركيا إذا لم تعتذر أنقرة رسمياً عن «مذبحة الأرمن» المسيحيين التي يقال انها ارتكبت خلال الحرب العالمية الأولى في أواخر عهد السلطنة العثمانية.
لقد أصبح الآن من المؤكد ان الاتحاد الاوروبي يعتبر نفسه تجمعاً مسيحياً يرفض انتماء دولة مسلمة كبرى إلى عضويته حتى لو كانت هذه الدولة تأخذ بالنظام العلماني.
وهذا مؤشر خطير للغاية لأنه يعني ان البند الأكبر على أجندة الاتحاد الأوروبي والغرب عامة هو صراع الحضارات .. وبالتالي ان الغرب المسيحي ينظر إلى الإسلام كعدو استراتيجي رغم كل ما يروج له من تعايش الثقافات والأديان.
إنها مخاطرة غربية جسيمة. فإذا انتهى الموقف الأوروبي إلى الرفض النهائي والصريح لانضمام تركيا المسلمة فإن خيبة الأمل التركية على الصعيد الشعبي العريض سوف تؤدي إلى نسف العلمانية بما يمهد لخلق تركيا إسلامية جديدة تتجه شرقاً نحو سوريا والعراق وإيران.