صدق والله ذاك المقرّب من شارون حين بشّر العالم شامتاً بأنه لما تكد أبواب غزة تغلق حتى أُشْرِعَتْ بوابات العالم العربي مرحِّبة بالمسخ الصهيوني ومهلهلة لأقزامه الملطخة أياديهم بدم فلسطيني وعربي لم يتخثّر بعد.

وجاءت هذه البشرى اللاذعة بعد أن تقاطر عرب ومسلمون وغيرهم في سباق ماراثوني للوصول إلى قلب أعداء الأمس القريب، الذين لا يزالون يعتبرون شعوب أولئك القادة من ألد أعدائهم.

ألسنا في فصل الخريف يا صديقي، حيث من المحتم أن تتساقط الأوراق الصفراء واحدة تلو الأخرى دون توقف إلى أن يفصح العود عن مكوناته مجرداً من أي قناع ومن أية ورقة أخيرة تغطي العورة؟ ألسنا في فصل الخريف، الذي تستيقظ فيه الغربان ناعقة بشؤم المقبل من الأيام.

قد يقول قائل إن هذا الكلام فيه الكثير من التحامل والتشاؤم والعويل، لأن السياسة في زمننا الحاضر لا تقوم على اللونين الأبيض والأسود فحسب، وإنما فيها العديد من الألوان الأخرى، سيما الرمادي منها، الذي لابد أن يقوم بعمل الناظم في جميع أوجه حياتنا، ومهما اختلفت الظروف، لكن ماذا لو كان المطلوب منّا هو استعمال عدسات لاصقة عاجزة عن التمييز بين هذا اللون وذاك حتى لو كان رمادياً؟

مهلاً يا صديقي، فليس المقصود هنا هو الوقوع في شباك التشدّد، الذي بات موضة العصر التي يتشدّق بها القاصي والداني، وسواء كان ضحية هذه الظاهرة البغيضة أم قائماً عليها، لا ليس هذا مقصدنا، وكل ما نحاول البوح به يكمن في القدرة على التمييز بين الصالح من الأشياء والطالح منها، قدرة وهبنا الله إياها، فلماذا نحيلها إلى التقاعد وما زالت في ريعان فتوتها.

لنحاول قراءة المشهد ولنبدأ من توصيف ما آل إليه عالمنا المتحضّر هذا، الذي أول ما يتبادر للذهن لحظة النقاش حوله أو التفكير فيه هو كلمة لا مرادف لها في معاجم الضاد، لكننا نطلق عليها العولمة تجاوزاً أو مجازاً، في محاولة منّا لمواكبة مفردات الحضارة المعاصرة.

وذلك يغفل المعنى الحقيقي للكلمة، التي لا تعني أكثر من أن السمكة الكبيرة التي كانت تأكل نظيرتها الصغيرة قد كبرت وبات بمقدورها أن تلتهم المزيد من أعداد الأسماك الصغيرة، لكن دفعة واحدة هذه المرة.

قد تقول يا صديقي إني أعود بهذه العبارات إلى الكلام الكبير والصيغ الطنّانة الخالية من أي محتوى، وقد تستغرب في الوقت نفسه أني أصدقك القول، لأن ما استخدمه من ألفاظ يبدو، للوهلة الأولى.

وكأنه قادم من عصر آخر أو مكان آخر أكل عليهما الدهر وشرب وذلك بعد أن سادت عبارات السوق، التي بات الجميع يتغنى بها، رامياً وراء ظهره ما تعنيه عبارات أخرى ليست أقل شأناً لكنها مغيبة عمداً مثل الوطن والتاريخ والجغرافيا والكرامة والتراث وما إلى ذلك من المفاهيم التي تعطي الإنسان سبباً لوجوده.

لكن النوايا الحسنة ليس لها محل من الإعراب، لا في سياق العولمة، ولا في خطب الود الذي تسعى إليه إسرائيل في علاقتها مع العالم العربي وكياناته المتبعثرة، فبعد أن تيقّنت الدولة المحركة للعولمة.

ومن ضمنها إسرائيل، من أبعادها الجغرافية والتاريخية والقومية، وحتى الدينية منها، ووفرت ضمانات وركائز قوية للحفاظ على تلك الأبعاد، التي تحتل مكان الصدارة في سلم أولوياتها، باتت تبحث عن كل سمكة صغيرة قابلة للالتهام، والمشروع الذي بشر به قادة إسرائيليون منذ سنوات، والذي يقوم على بناء ما أسموه شرق أوسط كبير خير دليل على ذلك.