تشمل العملية السياسية القوى الاجتماعية والمؤسسات الرسمية والنشاطات العامة والقرارات الحكومية التي تقوم عادة بتشكيل وإدارة الشؤون السياسية للأمم والشعوب. وتؤدي تلك العملية مهامها من خلال تنظيم العلاقة بين الشعب والسلطة، والتجاوب مع الاحتياجات السياسية على المستوى المحلي.
ورسم السياسة العليا للدولة علي المستويين الوطني والعالمي. كما تقوم تلك العملية أيضا بتعديل أو تغيير تلك السياسات كلما اقتضى الأمر ذلك. وتخضع القرارات والنشاطات السياسية في العادة لمفهوم المصلحة الوطنية الذي تحدده الفلسفة العامة للمجتمع وتصوغه الفئة الحاكمة بما يتناسب مع مصالحها ويحقق أهدافها وطموحاتها الطبقية أو الفئوية الخاصة.
أما المؤسسات والمواقف السياسية وغير السياسية للدولة فتميل غالبا إلى التأثر بالتجربة التاريخية والتقاليد المجتمعية والذاكرة الجماعية للأمة، والتي تعكس بحد ذاتها الفلسفة المجتمعية المهيمنة ونظرة المجتمع للغير وتوقعاته المستقبلية في ضوء ما يواجهه المجتمع عادة من تحديات داخلية وخارجية.
ظهرت العملية السياسية في أواسط عصر الزراعة، أي قبل حوالي خمسة آلاف سنة، وقامت بالتعاون مع العملية الاجتماعية-الثقافية للحصول على الشرعية المطلوبة وترسيخ مواقعها في المجتمع.
إلا أن تلك العملية اتجهت فيما بعد إلى السيطرة على العملية الاجتماعية-الثقافية، وإلى العمل على إعادة صياغة الكثير من التقاليد والعادات، وخلق رموز وطنية جديدة، والانفراد في إدارة شؤون الحكم، وتوجيه الاقتصاد والتحكم في مقدرات الوطن والناس.
ولقد نجحت هذه العملية في السيطرة على حياة المجتمع الزراعي وحياة المجتمع الصناعي وذلك حتى أواسط القرن العشرين. ومما ساعد العملية السياسية على تحقيق أهدافها المجتمعية ظهور الفلسفة القومية والنظرية الاقتصادية التجارية، والتي كانت أحد أهم دعائم الاستعمار في العصور الحديثة.
إن تزايد نشاطات العمليات المجتمعية في العقود الأخيرة، وتشعب وتداخل متطلبات التجاوب مع الاحتياجات السياسية المحلية والوطنية والدولية من ناحية، وصعوبة التوفيق بين المصلحة الخاصة والمصلحة الوطنية العامة من ناحية ثانية، جعل العملية السياسية إطارا فضفاضا يجمع في داخله عدة عمليات فرعية تتصف عموما بالتنافس والابتعاد عن التكامل.
ولقد كان ذلك سببا في فقدان العملية السياسية لوحدتها والعنصر المنظم لقراراتها والقادر على منحها ما يكفي من الوضوح فيما يتعلق بالهدف وأساليب تحقيقه. ولقد تبع هذا التطور تضاؤل ثقة الشعب بالدولة وتعذر حصول الأخيرة على دعم الأغلبية الشعبية والقوى السياسية النشطة في المجتمع.
وفي أعقاب انتهاء الحرب الباردة وتسارع وتيرة التغير على المستويات المختلفة زادت حدة المنافسة بين العمليات السياسية الفرعية وتعمقت أسباب التفتت الثقافي والسياسي في المجتمع، مما أدى إلى إضعاف دور العملية السياسية عامة وسلبها القدرة على الفعل والفاعلية.
ومما ساهم في الإسراع في حدوث تلك التطورات تراجع أهمية العقائدية في الحياة المجتمعية، وحدوث ثورتي الاتصالات والمعلومات، ودخول العالم عصر العولمة، وتعميق الفوارق الطبقية والفئوية والطائفية والدينية والعرقية في المجتمع.
وهذا فتح المجال واسعا لقيام بعض القوى الداخلية، كقوى الضغط السياسي، والقوى الدولية الخارجية ذات المصالح الاقتصادية والأمنية الخاصة بالتدخل والتأثير في سير العملية السياسية وإخضاعها لعوامل واعتبارات غير وطنية، وأحيانا غير أخلاقية أيضا.
كان نشاط العملية السياسية على المستوى المحلي يقتصر على قضايا فرعية ذات طبيعة إدارية بعيدة عن السياسة العامة للدولة وخاضعة لتوجيهات ورقابة العملية السياسية الوطنية إلى حد كبير.
أما العملية السياسية الوطنية فقد كانت موجهة للتعامل مع القضايا التي تهم الأمة ككل، بما في ذلك القضايا المتعلقة بالمصلحة الوطنية والثقافة الوطنية والهوية الوطنية والعلاقات التجارية الدولية. وهذا جعل العملية السياسية تتجه نحو التعاون مع العملية الاجتماعية ـ الثقافية وتعمل على التأثير فيها، وهي العملية التي كانت أكثر اهتماما بقضية تشكيل الثقافة الوطنية وتحديد مكوناتها الأساسية والحفاظ عليها وتعريف الهوية الوطنية.
إن الحفاظ على السيادة الوطنية وتنمية المصالح القومية استوجب، بين أشياء أخرى، قيام العملية السياسية بمد نشاطاتها ومجالات عملها لتشمل الساحة الدولية، إلى جانب القيام بالاشراف على العمليات التجارية والمعاملات المالية وتنظيم وإدارة العلاقات الاقتصادية والأمنية مع الغير من الدول.
لذلك جاءت العملية السياسية الدولية امتدادا للعملية السياسية الوطنية لتكون إحدى أهم أدواتها في التعامل مع القضايا الدولية وفي الإسهام في تطوير المؤسسات العالمية والمشاركة في إدارتها والعمل على تحقيق الاستفادة القصوى منها.
إن تصاعد أهمية العملية الإعلامية ـ المعلوماتية في العقود الأخيرة من القرن العشرين، ودخول مختلف الدول والشعوب عصر العولمة أدى إلى تعقيد كافة العمليات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، كما ساهما في دفع مصالح الأفراد والشركات والشعوب والدول نحو التشابك والتداخل.
نتيجة لذلك لم يعد بإمكان العملية السياسية التحرك بحرية كما كان عليه الحال في الماضي القريب أو الحفاظ على المصلحة الوطنية، كما لم يعد بإمكانها إدارة الاقتصاد الوطني لصالح الشعب أو الإيفاء بوعودها واحترام التزاماتها لشعوبها دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح الغير من الدول والقانون الدولي والمعاهدات الدولية.
وهي قوانين ومعاهدات كثيرا ما تتعارض أهدافها مع المصلحة الوطنية. وهذا جعل العملية السياسية أكثر تأثرا بالتقلبات الاقتصادية على الساحة الدولية، وأكثر اهتماما بالقضايا الأمنية والتوقعات المستقبلية.
إن العولمة كظاهرة مجتمعية ودولية كان لها آثار كبيرة وعميقة على كافة نواحي الحياة في المجتمع، خاصة الجوانب الاقتصادية والثقافية والاجتماعية. فعلى الجانب الاقتصادي أدت العولمة إلى ربط اقتصاديات مختلف الدول والشركات والصناعات الرئيسية بعضها ببعض بروابط مصلحيه تكاملية.
مما تسبب في إفلاس الكثير من الشركات الصغيرة والصناعات الوطنية وتعميق الفجوة بين الأغنياء والفقراء من الأفراد والشعوب والدول. كما تسببت أيضا في حدوث تفاوت كبير في معدلات النمو بين المناطق المختلفة، واتساع فجوة العلم والمعرفة بين الفئات الاجتماعية والشعوب المتقاربة والمتباعدة على حد سواء.
وزيادة حالات الفقر والبطالة في معظم دول العالم الثالث، وتكرر الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في معظم الدول المتقدمة والنامية. وفي المقابل، تسببت الضغوط الاقتصادية والأنشطة الإعلامية الموجه من الخارج في زيادة الوعي السياسي والاجتماعي، خاصة بين الأقليات المحرومة والشعوب التي عاشت طويلا في ظل أنظمة حكم فردية مستبدة.
ولقد ترتب على ذلك انتشار جمعيات حقوق الإنسان، واتجاه الأقليات عامة إلى المطالبة بحقوقها الثقافية والسياسية، وقيام الدول الصناعية والمؤسسات الدولية بربط ما تقدمه من معونات وقروض للدول النامية بموقف الأخيرة من حقوق الإنسان في بلادها. في ضوء ذلك، وجدت العملية السياسية نفسها تعيش أزمة أفقدتها توازنها واضطرتها لزيادة نشاطاتها على المستويين المحلي والوطني لمواجهة الأزمات الداخلية.
وفي الواقع، رافق انهيار الماركسية وتفكك الاتحاد السوفييتي تراجع أهمية دول العالم الثالث عموما وتضاؤل قدرة كل الدول منفردة ومجتمعة على الفعل والتأثير دوليا. إن تشعب اهتمامات العملية السياسية جعلها تفقد القدرة على التركيز وتتجه أكثر فأكثر نحو التجاوب مع مطالب القوى الفئوية ومجموعات الضغط السياسي وأصحاب المصالح الخاصة.
وهي قوى ذات مصالح متباينة وأحيانا متناقضة لا تعكس بالضرورة المصلحة الوطنية. وتبدو كل الدول اليوم وقد فقدت العنصر المنظم لسياستها الخارجية وأصبحت عاجزة عن رسم وتنفيذ سياسة وطنية تحظى برضا الشعب وقادرة في الوقت ذاته على حماية المصلحة الوطنية.
وهذا فتح الباب واسعا أمام التجمعات الفئوية وأصحاب المصالح الخاصة وبعض القوى الأجنبية، خاصة الشركات متعددة الجنسية، للتأثير في صنع القرار الاقتصادي والسيطرة تدريجيا على مؤسسات صنع القرار السياسي، خاصة في الدول الفقيرة والضعيفة، وتوجيه العملية السياسية وقراراتها المصيرية لخدمة مصالحها الذاتية.
أكاديمي أميركي من أصل عربي