عندما يختل ميزان القوى العسكرية بين طرفي صراع ما تظهر ميادين أخرى لا تقل أهمية عن الميدان العسكري إن لم تفقه أحيانا.وفي الصراع العربي الإسرائيلي الذي عبر حاجز نصف القرن كان ميزان القوى العسكرية دائما لصالح العدو الصهيوني، إذا ما استثنينا حرب السادس من أكتوبر عام 1973 التي حقق العرب فيها نصرا عسكريا اعتبره البعض منقوصا نظرا لما حدث بعده مع اختلاف الآراء حوله.

وإذا كان الصراع العسكري قد جُمِّد أو تأجل إلى أمد لا يعرف إلا الله مداه، فإن ثمة صراعات أخرى تزداد ضراوة على الساحة في ميادين أخرى ربما تكون هي الفيصل في ترجيح كفة طرف على الطرف الآخر في المرحلة المقبلة من الصراع.

في الدورة الرابعة عشرة لمؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي التي انعقدت في صنعاء عام 2004 أقر المجتمعون دعوة الدول إلى الإفادة من وثيقة قدمتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم تحت عنوان:

(التحدي الإسرائيلي المعلوماتي: رؤية ثقافية ). وهي وثيقة على درجة عالية من الأهمية، تسلط الضوء على مرحلة جديدة من الصراع العربي الإسرائيلي ميدانها العلوم والثقافة والتربية والإعلام، أو ما يطلق عليها القوى اللينة Soft Powers في مقابل القوى العسكرية التي يطلق عليها القوى الصلدة بhard Powers المرشحة للتواري في ظل اختلال ميزان القوى الذي يرسخه النظام العالمي الجديد ذو القطب الواحد.

يرى التقرير أن تفوق إسرائيل العسكري قد استند - بصورة جزئية - على تفوقها في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ولذلك فإن مسعاها للحفاظ على التفوق الاستراتيجي على الصعيد غير العسكري سيستند بصورة شبه كلية إلى تفوقها العلمي والتكنولوجي عموما، وتفوقها في مجالات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات خصوصا.

ولأن القوى اللينة تختلف اختلافا جوهريا عن القوى التقليدية الصلدة - كما يقول التقرير- فهي تعمل بالجذب والترغيب لا بالضغط والترهيب من أجل انتزاع الإرادة الجماعية لا نزع السلاح والملكية، ومن أجل فرض المواقف بدلا من فرض الحصار.

ولأن خططها ووسائلها مختلفة فإن القدرة على المناورة بالقوى اللينة زمنيا وجغرافيا هائلة بالمقارنة مع القوى الصلدة التي لا تستخدم إلا في حالات الضرورة، وغالبا ما تظل قابعة للردع لا للفعل، في حين تستخدم القوى اللينة بصورة مستمرة ودائمة.

لقد بدأت إسرائيل التخطيط، ووضعت استراتيجية طويلة الأمد للتنمية العلمية والتكنولوجية قبل أن تقوم الدولة اليهودية عام 1948، إذ شرعت في تأسيس مدارس الثقافة والصناعة لنشر العلم والتكنولوجيا بين الطوائف اليهودية في كافة أنحاء العالم منذ بداية القرن التاسع عشر، فأنشأت الجامعة العبرية عام 1918، وأسست عام 1924 مركز الهندسة التطبيقية (معهد تخنيون) الذي أصبح الآن في مقدمة مراكز البحوث العلمية والتكنولوجية في العالم.

الأمر الذي جعلها تحقق نجاحات فائقة على صعيد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، خاصة بعد ظهور الانترنت، إذ أصبحت إسرائيل من أوائل الدول المستغلة لهذه التقنية معرفيا واقتصاديا وإعلاميا، مما أحدث بيننا وبينها فجوة رقمية لdigital divide آخذة في الاتساع يوما بعد يوم .

يتضح عمق هذه الفجوة واتساعها من خلال الدراسة التي توردها المنظمة في التقرير عن صورة الثقافة العربية والإسلامية على الإنترنت مقارنة بصورة الخصم الصهيوني كنموذج للصراع المعلوماتي العربي الإسرائيلي على الساحة الثقافية، إذ يغيب عن صورة الثقافة العربية والحضارة الإسلامية على الإنترنت عنصر التنسيق والمشاركة في المواد.

ويشكل تقاعسنا واسترخاؤنا السبب الرئيسي في المشهد الحزين لثقافتنا العربية أكثر مما يسهم به الآخرون من تشويه وطمس، وتطغى الأمور المتعلقة بالعقيدة ومنظومة القيم على كل النواحي الأخرى، مركزين على الماضي مع الإغفال شبه التام لحاضرنا الثقافي.

كما يعيب خطابنا الثقافي على الإنترنت انعزاليته المعرفية والتاريخية، وتتسم أساليب عرضه بالبدائية وعدم استغلال الإمكانات العديدة التي تتيحها تقانة الإنترنت. ويمكن القول بصفة عامة إن خطابنا الثقافي - خاصة فيما يتعلق بالجدل الديني - ذو طابع تصادمي، على العكس تماما من نظيره اليهودي، علاوة على تناقض خطابنا مع نفسه نتيجة نقل خلافاتنا الداخلية إلى ساحة الجدل العالمي.

وفي حين تغيب عن المشهد اليهودي على الشبكة العنكبوتية هذه السلبيات، فإن الدولة الصهيونية تنتهج استراتيجيه علمية تكنولوجية شاملة تؤهلها لبناء نموذج متميز لمجتمع المعلومات واقتصاد المعرفة.

تقوم هذه الاستراتيجية على رؤية مستقبلية واضحة واستشراف دقيق لتوجهات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتكنولوجيات المغذية والمنبثقة منها، علاوة على رصد مستمر لاحتياجات الأسواق، ونسخ التجارب الناجحة على مستوى الدول والمؤسسات.

لقد أدركت الصهيونية قبل إنشاء دولة إسرائيل أهمية المعلومات كمورد رئيسي للتنمية، ونجحت في إقامة «اخطبوط» للمعلومات العلمية والتكنولوجية بوسائل عدة.

كما نجحت في إقامة شبكة ممتدة وراسخة لعلاقات التعاون العلمي والتكنولوجي مع جميع الدول الكبرى وبعض الدول النامية، من أدنى مستويات التعاون إلى أعلى مستويات الاندماج الكامل في المشروعات والمؤسسات العلمية المشتركة.

واستطاعت أن تجعل من نفسها طرفا جذابا للتعاون الدولي يتعامل من منطلق الندية، بل أحيانا من منطلق الطرف الأقوى المتفوق علميا وتكنولوجيا، من خلال الإنجازات التي حققتها في حقل تكنولوجيا المعلومات في مجلات العتاد وhardware والاتصالات communications والبرمجيات software وصناعة المحتوى content.

والخلاصة أننا مدعوون جميعا إلى مراجعة شاملة للإستراتيجيات العربية الإقليمية وشبه الإقليمية والقطرية بحيث تجعل من التصدي للتحدي الإسرائيلي المعلوماتي محورا أساسيا لها، مع ضرورة التكامل بين هذه الإستراتيجيات في مجالات الثقافة والتعليم والإعلام والاتصالات. ويبقى السؤال الأهم هو:

هل ثمة استراتيجيات من هذا النوع في الوطن العربي فضلا عن وجود استراتيجيات من أي نوع أصلا؟ وإذا وجدت هذه الإستراتيجيات فهل ثمة مجال أو أمل في وضعها موضع التنفيذ قي ظل الواقع الذي تعيشه الأمة العربية والتفكك الذي يعاني منه الكيان العربي؟

أسئلة تفرضها الدراسة التي تستحق القراءة، رغم كل الإحباطات التي يمكن أن تسببها، مما قد يدفعنا إلى تذييلها بالعبارة المتعارف عليها (تم الإطلاع ) ثم إحالتها للحفظ شأنها شأن غيرها من الدراسات والوثائق.

aliobaid2000@hotmail.com

كاتب اماراتي