حينما يسقط حاجز الخوف والحذر، ويرتفع سقف التعبير، ويعلو صوت المجتمع أفراداً وجماعات في مخاطبة المسؤولين، سيحدث ذلك حراكاً إيجابياً ومسؤولاً يصب لمصلحة الدولة وأبنائها ومؤسساتها خصوصاً إذا تبلورت هذه الفكرة واقتنع بها الجميع حتى ولو بصورة نسبية، فإن شرعية المسؤول لن تستمد من رضا القيادات فحسب، وإنما سيصبح رأي المجتمع ورقابته على مدى كفاءة ومستوى أداء وتصرفات وسلوكيات أي مسؤول أمراً مطلوباً لا يمكن لأي مسؤول أن يتجاهله.
فالعديد من مظاهر العمل العام تحتم وجود رقابة ومحاسبة مجتمعية، فظاهرة استمرار مسؤول ما في إدارة مرفق عام فترة طويلة رغم ما يوفره له ذلك من معرفة واطلاع لتحقيق إنجازات بقدر ما يفتح ذلك الباب على مصراعيه لإمكانية حدوث إخفاقات قد تكون في بعض الحالات جسيمة.
وهنا يأتي دور الرقابة المجتمعية لأداء هؤلاء المسؤولين لإعلاء قيمة المسؤولية الأدبية والإدارية ناهيك عن المسؤولية القانونية في إطار العمل العام. لأنه لا يمكن لأي مسؤول أياً كان موقعه الوظيفي أن يكون فوق الحساب أثناء توليه مسؤولية العمل العام سواء ما يتعلق بممارساته الشخصية أو قصوره في ممارسة اختصاصاته وصلاحياته لأن تفعيل مبدأ الرقابة والشفافية يصب لمصلحة العمل العام ويكرس مبدأ الجدارة والكفاءة.
ومما يؤسف له رغم حدوث العديد من التجاوزات والأخطاء التي ارتكبها بعض المسؤولين فإنه لم يتم تفعيل رقابة أداء المسؤول أو محاسبته، فلم تصادف نموذجاً للحساب رغم كثرة الإشاعات في بعض الحالات حول مسؤول معين. ولم نجد من يدحض تلك الإشاعات أو يؤكدها، ويخضع المسؤول للمحاسبة والمساءلة.
ومن يطلع على الصحافة المحلية أو يستمع إلى وسائل الإعلام المرئية والمسموعة يرصد كماً هائلاً من اللغط والشكاوى والمظالم وتدني مستوى الخدمات والبيروقراطية والواسطة والمحسوبية والمسؤول الأوحد والمسؤول الديكور والمسؤول الذي يعين ثم يختفي فجأة.
وعدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب وغيرها من الأمراض الإدارية في العديد من الإدارات والمؤسسات التي يتواتر الحديث فيها إلى الحد الذي حوّل الشائعات في بعض الأحيان إلى مسلّمات يتداولها الناس باعتبارها حقائق. في ظل غياب الرقابة والشفافية.
ومواجهة ذلك بالتجاهل وعدم الاكتراث. ومما يؤسف له أيضاً أنه ليست قيمة الاعتراف بالخطأ والتقصير والفردية في اتخاذ القرارات هي وحدها المهدرة بين قيم العمل العام.
وإنما أهدرت قيم أخرى لا تقل أهمية وخطورة على مصالح المجتمع وأصبحت تشكل مدخلاً للعديد من السلبيات فتربح مسؤول ما وأقاربه من مركزه الوظيفي واستغلاله لمنصبه عن طريق الاستثمار والاتجار بالطرق المباشرة وغير المباشرة أمر بات ظاهرة مثيرة للاستغراب والاشمئزاز في ظل غياب الشفافية، حتى بات الموقع الوظيفي في الحكومة والقطاع العام بالنسبة للبعض بابا للغنى والإثراء والقفز السريع على نحو لا يحتمل البراءة والكفاءة والجدارة في التفسير.
الأمر الذي خلق نوعاً من تضارب المصالح المخالف صراحة للدستور والقانون. رغم حديث وسائل الإعلام دائما عن نماذج صارخة في هذا الصدد سكت عنها الجميع. وقد صاحب ذلك إطلاق سيل من الشائعات التي أصابت الكثيرين وأساءت إلى صورة العمل العام.
وإذا أمعنا النظر سنكتشف ما أصاب قيم العمل العام من تشويه وأن الداء يمكن أن ينتشر في العديد من المجالات والممارسات الأمر الذي ينذر بتراجع قيم الجهد والاجتهاد والكفاءة والتفوق لمصلحة قيم الجشع والأنانية وحب الذات والتعدي على قيم العمل العام.
إن إهدار هذه القيم في العمل العام من شأنه أن يجهض الإصلاح الذي ننشده لإداراتنا ومؤسساتنا، ومن ثم لا يدع مجالاً للتفاؤل إن لم يتم تفعيل القانون في المحاسبة والرقابة وإسقاط حواجز الخوف في مخاطبة ومساءلة المسؤولين حتى لا يترسخ لدى الأفراد التشكيك في كل ما يقال من عمليات الإصلاح والشفافية، ما دام الكلام في واد والواقع في واد آخر.
فالمطلوب ألا يتحول القصور والخلل في أداء بعض المؤسسات بوجه عام ومرافق الخدمات بوجه خاص إلى سمة عامة قد تمثل قلقاً مستمراً لأفراد المجتمع. وخصوصاً أولئك الذين لا يجدون من يدافع عن مصالحهم.
A.alshahin@vaev.ac.ae
جامعة الإمارات