الشعب الفلسطيني المنكوب باحتلال لا مثيل لبشاعته وشراسته، لا يحتمل نكبة جديدة، ربما أشد واقسى، من نوع الاقتتال الأهلي. واذا كانت مصيبته الأولى قد فرضت عليه، ظلماً «وبهتاناً» .

فلا عذر له إن هو ارتكب الخطيئة العظيمة وارتضى الانجرار الى الوقوع في مصيدة الاشتباك مع نفسه، فما شهدته غزة أول من أمس، يثير القلق والتخوف العميقين، سقوط ثلاثة قتلى في اشتباك دام حوالي ثلاث ساعات بين رجال الشرطة.

ومسلحين من حركة «حماس»، ترك الانطباع بأن الوضع الفلسطيني، ربما يكون قد ارتضى الانسياق للوقوع في المحظور. أو أن يكون قد فقد البوصلة، التي طالما استرشد بها والتي كفلت له اجتناب السقوط في مثل هذه الحفرة.

من زمان والحكومات الاسرائيلية المتعاقبة، وخاصة الحالية تراهن على مثل هذا السقوط، دفعت باتجاهه بكل الوسائل. بالترهيب والترغيب، محاولاتها فشلت.

الأطراف الفلسطينية على اختلافها، كانت تكرر التزامها بعدم بلوغ هذا الخط الأحمر. ناهيك عن تجاوزه. كما كانت تكرر التطمينات بأنها واعية لمثل هذا المنزلق ومخاطره وبأن المناعة متوفرة للابتعاد عنه، تحت كل الظروف.

لكن مثل هذا الالتزام بدأ يتعرض للتآكل في الآونة الأخيرة، على غير العادة بدأ الخطاب المتبادل يلجأ إلى عبارات جديدة تنضح بالاستفزاز والتهديد وكثرت التحرشات والاستعراضات وأحياناً التصفيات.

الأجواء بدت أكثر توتراً، وتكهربت العلاقات بين الأطراف. وكل ذلك تواترت فصوله غداة رحيل الاحتلال عن غزة، فبدا وكأن مراهنة شارون كانت في محلها، بدلاً من انتشار أجواء الانفراج، تكثفت غيوم الصراع المحلي. وكأن تحرر القطاع قد تحول من نعمة إلى نقمة. وهذه المرة بفعل فلسطيني ـ فلسطيني.

لا شك ان حادثة الاشتباك الخطيرة جاءت على خلفية من التأزيم بين السلطة والفصائل. فهي لم تهبط من فراغ. لكن المأساة أنها حصلت فوق ساحة كان من المفروض ان تشهد النقيض، وفي هذا الوقت بالذات.

والأكثر مأساوية ان الدخول في هذا النفق يحمل من المخاطر ما عجز الاحتلال عن تعريض الشعب الفلسطيني لها. في الداخل يزيد نزيفه وبما لا يقوى على احتماله. وتجاه الاحتلال يضعف، اذا لم نقل يتلاشى، صموده.

ودولياً تنهار أرصدة دعمه وتأييده، الحصيلة تكون أكبر وأهم خدمة يقدمها المظلوم لظالمه، والمقتول لقاتله. وبذلك فالشعب الفلسطيني وقواه الفاعلة يقف الآن أمام لحظة حاسمة وفاصلة: إما الصحوة والاستدراك الفوري وإما ترك مصيره فريسة للتهور والانفعال وحسابات الصراع والتقاتل على النفوذ الضيق فيما الاحتلال مازالت أنيابه منغرسة في لحمه وأرضه ومقدساته.