بغض النظر عن نتائج الانتخابات البلدية التي فازت حركة فتح بأغلبية مقاعدها، فإن فوز حركة حماس ومنظمات فلسطينية اخرى بنسب لا بأس بها من بلديات الضفة الغربية وقطاع غزة هو فوز للشعب الفلسطيني الذي سجل اكبر نسبة مشاركة في الاقتراع بلغت أربعة وثمانين بالمئة، معبرا بذلك عن نزوعه نحو الحياة المدنية واقامة دولته المستقلة في اقرب وقت ممكن.

لا بد من التذكير بأن البلديات الفلسطينية قد لعبت طوال سنوات الاحتلال على تثبيت الحقوق الشرعية، وربما سدت الفراغ السياسي قبل ان تأتي منظمة التحرير الفلسطينية او ما يسمى اليوم بالسلطة الوطنية إلى الداخل نتيجة اتفاق اوسلو الشهير، ولم يتراجع دور البلديات او وظيفتها التنظيمية والخدمية بعد ان تم تشكيل الوزارات والمؤسسات الرسمية، ولم تتبدل التوازنات السياسية والاتجاهات الحزبية التي ظلت تحكم الانتخابات البلدية وان اخذت بعدا اكثر تأثيرا من ذي قبل على صعيد قياس النسب الحقيقية للتيارات الوطنية على اختلاف مرجعياتها.

تقدم فتح على غيرها من الحركات الموجودة في الساحة الفلسطينية يعزز من فكرة الحزب الحاكم بما أن قيادة الحركة بما في ذلك الرئيس محمود عباس هم من قادة أو ابناء تلك الحركة التي احتفظت بمكانتها كقائدة للكفاح المسلح الفلسطيني لما يزيد عن أربعين عاما، لكن ما كان يسميه الزعيم الراحل ياسر عرفات بديمقراطية السلاح أو الديمقراطية وسط غابة البنادق ما زال يواجه التحديات ذاتها قبل ان يلتقي الجميع على الارض الفلسطينية المحتل منها والمحرر، وخاصة ذلك التحدي المتعلق بمبدأ التعايش بين التنظيمات في كل الاحوال والذي يبدو أنه يقع الآن تحت اختبار منذ الانسحاب الاسرائيلي من غزة.

لو سألنا من الذي يضع الفلسطينيين امام ذلك الاختبار الصعب فسنقول على الفور انها اسرائيل التي تقوم حاليا بمسلسل اغتيال منظم لاعضاء منضوين تحت لواء حماس والجهاد وكتائب الاقصى وهي المنظمات التي تقف رغم كل ما يقال عن خيار السلاح تقف في منتصف الطريق لكي تنضم الى العملية السياسية إلا ان اسرائيل هي التي تسد عليها بقية الطريق لكي تديم الصراع مع الفلسطينيين وتقتل أكبر عدد منهم قبل ان يتشكلوا ضمن الدولة المستقلة.

ويعود السبب أغلب الظن إلى ان اسرائيل لم تستوعب بعد فكرة الدولتين التي تشير إليها خريطة الطريق ويتحدث عنها المجتمع الدولي كله، بل في الواقع انها لا تريد ان تجد نفسها داخل حدود نهائية رغم وجود الجدار العازل الذي سرقت بواسطته مساحات شاسعة من أراضي الضفة الغربية.

في الماضي لم يلتفت الفلسطينيون والعرب ايضا الى الابحاث التي اشارت للأبعاد النفسية المريضة التي تحكم العقل السياسي الاسرائيلي، ولكن التصرفات الوضيعة التي يرتكبها الجيش الاسرآئيلي والخطة الشريرة التي يتم تنفيذها باستخدام الاساليب الدنيئة لقتل شباب قلنا انهم يقفون في منتصف الطريق ينتظرون بارقة امل في ان تنجح المساعي السلمية في تحقيق أملهم في الحرية والاستقلال هو دليل صارخ على تدني النوعية البشرية للذين يستمتعون باراقة الدماء باعتبارهم يعانون من المرض النفسي الذي اشرنا اليه.

لا بأس أن يردد الفلسطينيون كلمة ضبط النفس ألف مرة كل يوم، والافضل هو في ان يقوم الفلسطينيون باجراء تحليل مشترك للتصرفات الاسرائيلية لكي يحبطوا اهدافها بصورة مباشرة والأهم من ذلك هو مواصلة بناء الدولة رغم أنف القيادة الاسرائيلية التي تحرم الشعبين الفلسطيني والاسرائيلي على حد سواء من نعمة السلام والأمن والاستقرار، ولذلك فإن الانتخابات البلدية وبعدها التشريعية وقبلها الرئاسية، وكذلك الممارسة الديمقراطية وفرض سلطة النظام والقانون كلها خطوات على طريق الاستقلال.