تبذل الدولة قصارى جهدها وترمي بكل ثقلها للاستيلاء على مؤسسات المجتمع المدني؛ فمنذ بضعة أعوام أدركت الدولة خطورة وضرر استقلال هذه المنظمات؛ فعملت على تهميشها وإلحاقها بأجهزة الدولة المختلفة وبحزب الحكم .وكان اتحاد عمال اليمن والنساء لعبة التقاسم بين النظامين الشطريين ثم تحولا إلى سَلَبٍ من أسلاب الحرب 1994م.فتحت الحرب شهية الحكم للاستفراد بالمنظمات والصحافة والأحزاب وبقية مؤسسات المجتمع المدني.
كانت لعبة التمزيق والانشقاقات من نصيب الأحزاب، بينما جرى استنساخ الصحف، وتدويخها في المحاكم، وجعلها تحت مقصلة الاتهامات، والملاحقات، والأحكام الجائرة. وفي اليمن لا توجد صحيفة حزبية أو أهلية مستقلة لم يصدر بحقها حكم بل أكثر من حكم، وهناك صحف تواجه ست دعاوى في أكثر من محكمة.
وكان نصيب الشورى الناطقة بلسان (اتحاد القوى الشعبية) والثوري التابعة للحزب الاشتراكي ـ فادحاً، فقد تعرضت للإغلاق والمصادرة، والاستيلاء على المقر، والاستنساخ أكثر من مرة. كما أن الدعوى والأحكام ضد رؤساء التحرير فيهما ضد صحيفتهما كثيرة ومتواصلة.
تواجه الثوري حالياً ست قضايا مرفوعة ضد رئيس التحرير خالد سلمان وضد الصحيفة وطاقمها. أما الشورى التي حكم على رئيس تحريرها عبد الكريم الخيواني بالسجن لستة أشهر قضاها تحت التهديد، واعتدى عليه من قبل سلفيين ليسوا بعيدين عن الأجهزة. وعندما خرج من السجن ـ بعد أن قضى مدة الحكم ـ ووجه باستنساخ الصحيفة اسماً ولوناً. ولم تكن الأجهزة وحزب الحكم بالبعيدين عما يجري.
ومع استمرار الجرجرة إلى المحاكم وحملات التخوين والتأثيم، لم تكتف الدولة بذلك، بل عمدت إلى شق الحزب والاعتداء على مقره بواسطة الحراسة، ثم الاستيلاء على الصحيفة وتشكيل هيئة تحرير جديدة ورئيس تحرير لا علاقة له بالصحيفة. يتزامن ذلك مع دعوات رئيس الجمهورية للاصطفاف الوطني، وتنقية الأجواء، واعتبار المعارضة الوجه الآخر للحكم.
وتتكرر اللقاءات بين رئيس الدولة وأقطاب المعارضة، وتبشرنا الصحف الحكومية والحزبية أن انفراجاً في علاقة الحكم بالمعارضة قد أصبحت وشيكة.إن علاقة الحكم بمؤسسات المجتمع المدني مزيج مركب من الريبة، والشك، والعداء المضمر؛ فالدولة لا تثق بمؤسسات المجتمع المدني فهي أي (المؤسسات) ترمز لاحترام الدستور، والنزول على أحكام النظام والقانون، واحترام حقوق الإنسان، والتداول السلمي للسلطة، والبديل لقيم وعادات العسكر والقبائلية.
وللأسف الشديد فإن أحزاب المعارضة التي ينظمها مجلس «لقاء مشترك» لم ترتق بعلاقاتها لتوحد المواقف دفاعاً عن حقها المدني الدستوري، كما أنها لم تتعود كثيراً على المواجهات المدنية والديمقراطية، وكثيراً ما تغيب عنها قيم الاحتجاج المدني: الإضرابات، المظاهرات، التواصل مع المنظمات الدولية ذات الصلة، أو تجديد دمائها، وبث الديمقراطية داخل أحزابها، والرهان أكثر فأكثر على الإرادة العامة للناس.
المفارقة أن الدولة قد قذفت بالقفاز في مواجهة المجتمع ككل؛ فهي بفرض ضريبة المبيعات قد دفعت بكل الغرف التجارية وغالبية التجار إلى مواجهة سافرة تعبر عنها إعلانات التجار في معظم الصحف المعارضة. كما أن الدولة بوزاراتها ونافذيها وأبنائهم غارقون حتى ما فوق الآذان في حُمَّى النشاط الاستثماري، والصفقات التجارية وعقود العمل، والتقاتل على التوكيلات الأجنبية، وهو ما يتصادم مع الدستور اليمني.
وهي (الدولة) وإن كانت ذات جذور قبلية إلا أن علاقاتها بالقبائل دامية وغير مستقرة. والقبيلة أساساً علاقاتها صراعية أبداً، وقابلة للانشطار كالقنبلة. أما الطبقة الوسطى فقد دمرتها سياسات الإفقار المتبعة منذ أمد .لقد أقدمت الدولة على ثلاث خطوات غاية في القسوة والإفقار:
ـ سياسات الجرعات السعرية
ـ حصر الإصلاحات كلها في هذه الجرعات التي دفعت بالطبقة الوسطى إلى حضيص الفاقة والإفقار، وزادت من معاناة الناس وضنكهم.
ـ إبلاغ البنوك برفع احتياطيها من العملات الصعبة إلى 30% بدلاً من 15% ومن دون فوائد، مما تسبب في تدهور الريال واشتعال الأسعار المرتفعة أصلاً، كما أقدمت على طرح مشروع قانون ضريبة المبيعات بـ 10% ثم تراجعت إلى 5% وهي ضريبة يتحمل تبعاتها المستهلك وستكون منفذا للأدوات الفاسدة في الدولة للمزيد من الإفساد والرشى وإلغاء مؤسسات المجتمع المدني وتشويه الحياة السياسية يفتح الباب واسعا أمام طريق وحيد هو طريق الاحتراب والعنف ومزيد من التفتت والتمزيق.
كاتب يمني