لم يكن التصعيد الإسرائيلي الأخير في قطاع غزة أمراً اعتباطياً، بل كان عدواناً يحمل في طياته رسائل كثيرة، ويرسم «قواعد لعب» جديدة، سيتم تنفيذها في الفترة المقبلة، وبدرجة كبيرة من العنف والتدمير والإرهاب. والواقع أن هذا العدوان الذي حمل اسماً لافتاً في دلالته وهو «أول الغيث» ما يعني انه الحلقة الأولى في مسلسل الدم المتواصل، وقفت وراءه دوافع كثيرة.
أهمها استغلال الثناء الدولي الذي حظيت به إسرائيل بعد تنفيذها خطة الفصل الأحادي مع قطاع غزة، التي تم تفسيرها على أنها تنازل كبير من جانب الدولة العبرية وتنفيذ لقرارات الشرعية الدولية، رغم أن الأمر لا يعدو كونه خطوة انفرادية انتقائية، لا تعيد كامل الحقوق إلى أصحابها، وإنما تجزئها بشكل يضر بالمصلحة الوطنية الفلسطينية على نحو كبير.
هذا الثناء الدولي، كان المحرك الأول للغارات المكثفة والعدوان العنيف، الذي أراد شارون من خلاله تحقيق عدة أهداف، منها وهذا هو الأهم، تحييد قطاع غزة عن الصراع، وجعله منطقة مؤمنة لا تتفاعل مع شقيقتها الضفة الغربية التي سيستفرد بها الاحتلال ويكثف عدوانه واستيطانه ونهبه لأراضيها.
كذلك يحاول الاحتلال الذي برر عدوانه بإطلاق فصائل المقاومة صواريخ من القطاع على الأراضي الإسرائيلية، تسويق فكرة ضعف السلطة الفلسطينية، وعدم مقدرتها على السيطرة على الأوضاع في غزة، ومن ثم الإيحاء بأن هذا سيكون الوضع ـ أي الفوضى ـ في الضفة الغربية حال الانسحاب منها، الأمر الذي يخلق مبررا لبقاء الاحتلال جاثما فوق الأراضي الفلسطينية.
يضاف إلى ذلك أن شارون يريد أن يصل من خلال هذا العنف الدامي المستمر، إلى تحقيق هدف طالما أصر عليه وحلم به، وهو تفكيك فصائل المقاومة ونزع سلاحها حتى تصبح فقط مجرد جماعات تهتف في المظاهرات والمسيرات وترفع الرايات، ولا تشكل أي خطر أمني على الاحتلال.
هذا هو الهدف الخبيث الذي يريد شارون تحقيقه عبر الضغط العسكري المكثف، وعبر الإرهاب الذي لا يفرق بين احد، ولكن بأياد فلسطينية، أي دفع السلطة إلى القيام بهذه المهمة الشاقة، لترفع عن الشعب عبء الإرهاب الإسرائيلي، وهو ما يذكي مخاطر الحرب الأهلية بين مختلف الفئات الفلسطينية.
من هنا فإنه يجب الالتفات والتيقظ لهذا المخطط الخطير، الذي يستهدف إشعال نار الفتنة بين الفلسطينيين، وضرب وحدتهم الوطنية التي مكنتهم حتى الآن من التصدي لهذا العدو، وإفشال محاولاته المستمرة لدفن قضيتهم وجعلها غير ذات أهمية وهامشية على جدول الاهتمام الإقليمي والدولي أيضا.
إن التصدي لهذا المخطط، يبدأ بوضع أجندة عمل وطنية للمقاومة المسلحة، تحدد استراتيجيتها وأهدافها وآلية عملها والوقت المناسب لاشتعالها وهدوئها، حتى لا تكون مجرد استعراض، يضر أكثر مما ينفع، مما يتخذ الاحتلال مبررا، لإرهابه وإجرامه بحق الشعب الفلسطيني إيجاد هذه الأجندة، هو الأهم الآن على الساحة الفلسطينية، لان التحدي كبير جدا،
والمخاطر المحدقة بالشعب والقضية الفلسطينية تفوق ما يتخيله البعض، لاسيما وان الكثير من القوى الكبرى التي تستطيع لجم العدوان والإرهاب الإسرائيلي ـ إن أرادت ـ لا تحرك ساكنا عندما يدك الشعب الفلسطيني بالطائرات، بل تقول من دون خجل إنها « تتفهم » هذا الإجرام، الأمر الذي يفتح شهية شارون للمزيد من حفلات الدم والمجازر بحق الفلسطينيين.