منذ عشرات السنين استشفت بعض النسوة العاملات في المؤسسات الإعلامية ومنها الصحف تحديدا قسوة هذه المهنة عليهن ليس بسبب متاعبها كمهنة ولكن بسبب الفجوة الحادثة بينها وبين الرجل داخل هذه المؤسسات حتى في أكثر الدول تقدما.تصف الصحافية نان روبرتسون تجربتها مع صحيفة النيويورك تايمز عام 1955عندما تم إعارتها للعمل في صفحة المرأة بأنها إحدى التجارب المهينة والمخزية في تاريخ هذه الصحيفة الأميركية العريقة.
تقول نان بأنها هي والنساء الصحافيات العاملات والمليئات بالطموح والحماس يومها أصبن بصدمة التمييز بينهن وبين الصحافيين الرجال في التعامل والاهتمام وإسناد المهام والرواتب لا لسبب سوى انهن نساء، وبأن النيويورك تايمز يومها كانت تحمل عداء غير طبيعي للنساء العاملات لديها. حتى مناسبات التجمع والمشاركة كانت النساء تحرم من حضورها والمشاركة فيها.
وفي منتصف السبعينات قامت روبرتسون مع ست صحافيات برفع قضية ضد الصحيفة بسبب ممارساتها المجحفة في حقهن بسبب التمييز العنصري.اليوم ونحن في القرن الحادي والعشرين مازال وضع النساء في المؤسسات الإعلامية يتأرجح بين الإنصاف والظلم لهذه الشريحة.
فرغم ان النساء يشكلن نسبة عالية من قوة العمل في الصحف عموما إلا أن نسبة الشاغلات منهن لمناصب إدارية وتنفيذية لا تتعدى نسباً ضئيلة في حين أن الغالبية الساحقة يتواجدن في معترك الميدان وصانعات للأخبار والمادة التحريرية وبعيدات جدا عن مناصب صنع القرار.
في أميركا مثلا وهي أكثر الدول تقدما والأكثر حرصا على صناعة الصحف ومستقبلها تشكل النساء نسبة 35% من قوة العمل في الصحف الأميركية إلا أن نسبة الحائزات فيها على مناصب إدارية لا تتعدى 15%.وعلى مستوى الرواتب والأجور يصل متوسط راتب المرأة الصحافية الأميركية إلى 81% من متوسط راتب الصحافي الرجل الذي يقوم بنفس مهامها ويحمل نفس المسمى الوظيفي.
ويزيد ما يتقاضاه الصحافي الأميركي الذي يحمل خبرة تتراوح بين 10-14 سنة بحوالي 6000 دولار سنويا عما تتقاضاه نظيرته الأنثى ذات الخبرة نفسها. وتنتقد الكثير من الدراسات في الولايات المتحدة عجز المؤسسات الإعلامية عن جذب العنصر النسائي للعمل فيها بسبب الإجحاف الواقع عليهن والذي يدفع بالأجيال الشابة للانصراف عن ميدان الإعلام كما يحث صاحبات الخبرة للهروب بحثا عن مهنة أخرى غير الإعلام.
ولم يتم الكشف حتى اليوم عن السبب وراء ضعف أجور النساء مقارنة بالرجال رغم ان بعض النظريات حاولت تبرير ذلك بأن الأمر مرده إلى مدخلات العمل من خبرة ومجهود ومعرفة والتي غالبا ما يتفوق فيها الرجل على المرأة إلا انه لم يتم التأكد حتى اليوم بان عامل الجنس له علاقة بمدخلات العمل السابق ذكرها .
وبرر آخرون السبب بالقول أن المرأة إذا ما وصلت إلى راتب معين ترغبه ويرضيها فلا تعاودها الرغبة في طلب المزيد بمعنى أن هم المرأة الأول في العمل ليس منصبا على المردود المالي كما هو لدى الرجل. والى جانب الفرق في الرواتب وحكر المناصب العليا وصناعة القرار على الرجل في المؤسسات الإعلامية،
تعاني المرأة أيضا من إشكاليات أخرى وهي عدم تقدير هذه المؤسسات لوضع المرأة الاجتماعي ودورها التربوي والأمومي الذي طالما كان السبب الرئيسي وراء إما انسحابها من مهنة كالصحافة، وإما تقصيرها في وظيفتها (من وجهة نظر الإداري الرجل). هذا إلى جانب الحرب التي يشنها عليها الذكر أما من داخل المؤسسة وتعامله معها معاملة الند لانتزاع التكليفات والمناصب والترقيات،
وإما من خارج المؤسسة والمتمثلة في مطالبة الزوج لها بالانسحاب من ميدان الصحافة والتوجه إلى مهنة أكثر تحفظا وأقل احتكاكا بالرجال.في دراسة أجريت هنا في دولة الإمارات في إحدى المؤسسات الصحافية تبين ان نسبة الرضاء الوظيفي للعاملات ضعيفة جدا مقارنة بنسبة رضاء الصحافيين وفي كافة الأبعاد التي ضمتها الدراسة.
النساء عبرن عن عدم رضاهن عن الإدارة وإجراءاتها وسياساتها ونظام تبادل المعلومات وتوصيلها، وكن اقل إحساسا بالفخر للعمل في هذه المؤسسة وأقل إحاطة بالدور المطلوب منهن والمسؤوليات الملقاة عليهن. وكان رضاهن أقل من الرجال فيما يتعلق بظروف العمل ومتابعة الإنتاج والراتب والتقييم والشعور بالحرية والتحدي. كما أحسسن برضاء أقل فيما يتعلق بمساهمتهن في العمل وأقل رضاء بوجود تنوع في الجنسيات العاملة في هذه المؤسسة.
هذا التمييز القائم بين الجانبين والمرتكز أساسا على النوع من ذكر وأنثى يضع صناعة الصحف في مأزق صعب وتحد لا يمكن مواجهته. إخفاق الصحف في فتح المجال أمام النساء للمشاركة في صنع القرار يؤدي إلى إشكاليات بسبب تراجع نسبة كبيرة من القراء النساء لأنهن لا يجدن ما يهمهن ويعنى بقضاياهن في الصحف.
وثانيا وعلى مستوى المادة التحريرية يكون هناك سطحية في تناول قضايا المرأة والأسرة، فرؤساء التحرير من الرجال يحصرون اهتمامات المرأة في الطبخ والأزياء والتربية في حين أن هناك تحركا واسعا لدور المرأة وفعالياتها ونشاطها الفكري والاجتماعي.
وهذه قضية تم رصدها منذ عشرات السنين وتزداد سوءا اليوم، فقد كشفت إحدى الدراسات في عام 1970 ان 64% من الرجال المشاركين في الدراسة ذكروا أنهم قرأوا الصحف في اليوم السابق مقابل 60% فقط من النساء وعندما سئلوا عما يفضلون القيام به لو تم إعطاؤهم ساعة إضافية كاملة من الوقت قالت 61% من النساء انهن يفضلن تمضيتها في القراءة ولكن ليس قراءة الصحف لأنها لا تقدم لهن الكثير مما يبحثن عنه.
معايير الرجل قد يحكمها شكل المرأة وجمالها أكثر من ذكائها وكفاءتها ومن ثم يتم ترسيخ مفهوم الإعلام كتجارة وربح وليس التزاماً برسالة وتنوير وتثقيف. ومن هنا يزج بنماذج فاشلة ليست كفؤاً للخوض في قضايا حيوية سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية.
ويترتب على ذلك عزوف المتلقي للرسالة الإعلامية عن هذه النماذج بعد فترة يكتشف خلالها أنها لا تملك أكثر من مظهر . والجانب الأخطر في المسألة هو ان المصادر التي تستقي منها هذه النماذج من النساء أخبارهن ومادتهن هي مصادر تتناسب معهن في السطحية والتهميش وبالتالي تكون الضربة موجهة بشكل قاس لروح المادة الإعلامية ولأخلاقيات المهنة.
من جانب آخر فان وجود الكثير من المشاكل في المؤسسات الإعلامية بسبب التفرقة في التعامل بين الجنسين أدى إلى إشكاليات في المؤسسات الإعلامية نفسها بسبب لجوء بعض النساء إلى القضاء سعيا للإنصاف ما يدخل المؤسسات في دوامة القضاء وتكاليفه، هذا إلى جانب التراجع في كمية ونوعية المنتج الإعلامي نتيجة لتكرار الغياب الناتج عن عدم الرضا وزيادة تكاليف العلاج الطبي والضمان الصحي لكثرة ما تتعرض له النساء من أمراض عضوية منشأها نفسي.
Heyamm@albayan.ae
مديرة إدارة التطوير والمتابعة صحيفة «البيان»