نفت الدبلوماسية الإسرائيلية تصريحات أعلنها عدد من القادة العسكريين والمستشارين الإسرائيليين حول اعتزام إسرائيل اتخاذ خطوات أحادية الجانب في الضفة في إطار فك الارتباط مع الفلسطينيين. ولعل خطة فك الارتباط التي اشرنا إليها الأسبوع الماضي في مقالة سابقة هي خطة ارييل شارون التي أنجز منها الانسحاب من غزة مع إبقاء السيطرة الإسرائيلية على الحياة في غزة براً وبحراً وجواً، واقتصادياً وتجارياً ومواصلات وسكانياً.

فقطاع غزة تحول إلى منطقة محتلة عن بعد حيث يتدخل الاحتلال في شؤونه كلها ولكنه دوليا ظهر بمظهر من ضحى وانسحب بجنوده ومستوطنيه من غزة وأباح لنفسه شن هجمات يومية على أهداف داخل غزة دون مساءلة دولية أو حتى عربية. النفي الدبلوماسي الإسرائيلي ورد في بيان أصدره مكتب شارون

ثم في تصريح لوزير الخارجية سلفان شالوم بعد ساعات من إدلاء ثلاثة من كبار المسؤولين الإسرائيليين بتصريحات في يوم دراسي بجامعة تل أبيب عقد يوم الأربعاء الماضي وقالوا فيه أن فك الارتباط واتخاذ خطوات أحادية الجانب سيتحول إلى استراتيجية إسرائيلية لضم أجزاء من الضفة إلى إسرائيل ولرسم حدود دائمة دون استشارة الفلسطينيين.

وهذا هو جوهر خطة شارون أي الانسحاب من غزة وإخلاء بعض المستوطنات المنعزلة في الضفة وتكثيف الاستيطان في التجمعات الاستيطانية حول القدس وكفار عتصيون بين بيت لحم والخليل ومنطقة «موديعين» غربي رام الله والخليل وارييل.

وفوق هذا وذاك الإبقاء على السيطرة الإسرائيلية على غور الأردن ومناطق أخرى ضرورية للاستيطان. ومع أن شارون نفى اعتزامه تنفيذ فك الارتباط في الضفة إلا انه يعمل على الأرض نحو هذا الاتجاه، حيث تجري إقامة حواجز دائمة على الطرق بين المدن الفلسطينية لتحويلها إلى كانتونات منعزلة والسيطرة على الطرق المؤدية إليها دون الإعلان عن هدف هذه الإجراءات لكن مستشاريه وقادته عبروا عن ذلك علنا في اليوم الدراسي المذكور.

وقال إيال أراد مستشار شارون ان حكومته قد تضطر إلى ترسيم الحدود من طرف واحد وقال عيبال غلعادي منسق فك الارتباط في مكتب شارون «ان خطوة أحادية الجانب فقط يمكنها أن تكون واقعية» فيما قال رئيس الاستخبارات العسكرية أهارون فركاش «إسرائيل ستضطر لتنفيذ المزيد من الخطوات الأحادية في المستقبل».

هذه الأقوال لم تأت في سياق حفل عابر بل في يوم دراسي شارك فيه مسؤولون وباحثون استراتيجيون بعنوان «مستقبل الأمة»، وهم بهذا يكشفون عما يدور في خلدهم من أن خطة شارون لفك الارتباط هي الوحيدة الممكن تنفيذها لمواجهة خارطة الطريق.

فأساس الخطة هو منع قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً ولعل تجربة غزة أثبتت ذلك حيث لا تواصل جغرافياً مع الضفة أو مع العالم الخارجي وستبقى غزة ضمن الدائرة الجمركية الإسرائيلية ومياهها وجوها ومعابرها تحت هذه الهيمنة وهو ما سيجري لاحقاً في الضفة حيث يقول الإسرائيليون إن شارون يعتزم تمويت الوقت حتى الانتخابات البرلمانية المقبلة ثم يعمد إلى تنفيذ خطة فك ارتباط وانفصال في الضفة تترك الفلسطينيين يديرون شؤونهم المحلية دون أية سيادة،

ويبقى المجال مفتوحاً لمشروعه القديم أي الوطن البديل فمثلما حول غزة إلى مشكلة مصرية باستطاعته تحويل الضفة إلى مشكلة أردنية. هذا التفكير الإسرائيلي لا يقابله أي تفكير فلسطيني أو عربي مضاد، فالسلطة الفلسطينية منهمكة في صغائر مشاكلها ومسلحيها وفصائلها المتناحرة أخفقت في انجاز أي اتفاق مسبق حول الانسحاب من غزة

وخدعها الإسرائيليون بإيهامها أنهم على استعداد لربط الضفة مع غزة بممر آمن وبحرية على المعابر وتعاونت أجهزة السلطة مع إسرائيل بشأن حماية الانسحاب من غزة لكنها فوجئت بأن غزة تحولت إلى سجن مغلق وأن وعود المعابر الحرة والمطار والميناء والممر الآمن كانت أوهاماً.

ولم تستطع السلطة حتى إيقاف الحملة الإسرائيلية المدعومة أميركيا لحصد نتائج سياسية واقتصادية من الانسحاب من غزة وهرول عرب نحو التطبيع وفتح الأسواق للبضائع الإسرائيلية متجاهلين أن القضية الفلسطينية لم تحل وأن القضية ليست غزة وأن ثمة حالة للقدس لا يمكن تفاديها وستنصب على كل من يتجاهل المقدسات التي هي ملك لجميع المسلمين.

السلطة تبدو عاجزة ووحيدة في مواجهة إعصار شارون حيث استباح الاحتلال غزة والضفة وشن هجمات وغارات وقصف بالمدفعية أطراف غزة ويحاول اقتطاع المزيد من الأراضي كمنطقة أمنية. أما في الضفة فإن الاحتلال يشن حملة شاملة ضد نشطاء حماس والجهاد حيث اعتقل أكثر من خمسمئة اغلبهم من المرشحين للانتخابات البلدية في محاولة لمنع حماس من المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة ولم يستثن الاحتلال نشطاء فتح المسلحين في الضفة من الملاحقة.

وهذا يعني عملياً احتمال إلغاء الانتخابات البرلمانية المقبلة. وإبقاء الوضع الفلسطيني في أسوأ حالاته عرضة للإملاء والأرض عرضة للاستيطان، أو كما قال مصدر إسرائيلي إن لدى إسرائيل فرصة ذهبية الآن لتنفيذ ما تشاء فلا أحد يحتج على ممارساتها ضد الفلسطينيين على المستوى الدولي.

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» ـ فلسطين