المصداقية، صفة أخلاقية حيوية للدول والشعوب والنخب والأفراد، هي الرأسمال الأخلاقي لكل انسان وبالخصوص أصحاب الفكر وبالأخص من يتولون توجيه الرأي العام، ومن لا مصداقية له لا ثقة فيه وليس جديراً بالاحترام. والمصداقية تعني استقامة الظاهر مع الباطن وعدم تناقض الفعل مع القول كما تقتضي عدم المراوغة والبعد عن النفاق وعدم التلوث والخداع.

وقرآننا الخالد يؤكد في كثير من نصوصه على ذلك، ورسولنا صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ضربوا أروع الأمثلة في مصداقيتهم التي جذبت الشعوب إلى هذا الدين العظيم، وعندنا في تراثنا مخزون ثقافي كبير في ترسيخ قيم المصداقية، وإذا كان الأمر كذلك فما نصيب العرب والمسلمين ـ في عالم اليوم ـ منها؟!

إذا تأملنا حالة المصداقية في العالمين العربي والإسلامي على المستوى النظري، الفكري والشعاراتي المعلن والظاهري وكذلك على المستوى الخطابي والدعوي فإن العرب والمسلمين أكثر شعوب الأرض تظاهراً بالمصداقية، ولكن إذا تأملنا الحالة السلوكية والوقائع الفعلية ومدى ترجمة الأقوال إلى أفعال فإنها دون ذلك بكثير. ولنستعرض حالات المصداقية في دولنا.

في ميدان التعامل الدولي نجد دولنا تتعامل مع العالم الخارجي بخطاب معتدل، منفتح، ومتقدم، يجيد لغة المصالح المشتركة، ويخدم حقوق الإنسان والمرأة والطفل والأقليات (خطاب عولمي)، وفي المقابل تتعامل دولنا مع شعوبها بخطاب محلي شديد التخلف، محكوم بمواريث تعصبية تمييزية، هو خطاب تحريضي ضد العالم المتقدم، يستثير في النفس العربية اسوأ ما فيها،

لا يقيم وزناً لحق انساني ـ نصف مليون سجين سياسي في 23 دولة شرق أوسطية، ويقبع ثلثا السجناء السياسيين في العالم في سجون دول إسلامية، وأكثر من 80% من اللاجئين في العالم من المسلمين، احصائية منظمات حقوق الإنسان.

وفي ميدان العلاقات العربية الدولية لا تتسم السياسات العربية بالشفافية، وما هو حاصل في الخفاء وفي قضايا مصيرية دون ما هو معلن، فدول عربية وإسلامية عديدة لها علاقات بإسرائيل وتتظاهر بخلافها ـ أشار وزير خارجية قطر في رده على الانتقادات أن قطر تعلن ما تفعله بدون مواربة لا كما تفعل بعض الدول.

وفي الميدان الثقافي نجد الخطاب الثقافي المعلن يمجدّ حرية التعبير والتفكير وحقوق الإنسان، ولكن الواقع العربي يثبت بجلاء أن قمع المثقفين لزملائهم هو الأشد، ويشهد التاريخ المعاصر أن كثيرا من دعاة حقوق الإنسان هم الذين وقفوا مع طغاة العرب، ومن يقرأ مقال شاكر النابلسي (عار المثقفين العرب في العراق) تتضح له أبعاد ازدواجية المثقفين البغيضة.

أما عدم مصداقية تشريعاتنا فحدث ولا حرج، ففي حين تنص الدساتير العربية على أسمى المبادئ فإن تشريعاتنا ـ نصوصا أو ممارسة ـ لا تنسجم مع الدساتير في صيانة كرامة الانسان فضلاً عن العدالة والمساواة. بل حتى البرلمانات الموكل بها الدفاع عن حقوق الحريات ومراقبة الأجهزة المسؤولة، هي الأكثر مصادرة لحريات التعبير والكتب والأكثر معارضة لحقوق المرأة والأقليات.

وأما في الميدان الاعلامي فيكفي الاشارة إلى الدور التضليلي الذي مارسه الإعلام عبر 50 عاماً، ولا يزال التضليل مستمراً سواء في حرب حرية العراق أو فيما يفعله الارهابيون هناك، بل ان بعض إعلام العرب لم يكتف بالتزييف، اذ تطور ليصبح منبراً للطرح الارهابي ـ تحريضاً وتمجيداً وتبريراً ـ وفي الوقت الذي نرفع شعار توطين الإعلام الخليجي نجد خلافه إذ اصبح الإعلام الخليجي محتلا ـ د. احمد عبدالملك «الاتحاد» 920.

دعونا ننتقل إلى الميدان الأخطر (الميدان الديني)، فمن يُمثّل الدين، يمثل القيم والمبادئ، وافتقاده المصداقية لا يصيبه هو فحسب بل يصيب ما يمثله أيضاً وذلك مكمن الخطورة، ومظاهر الازدواجية عديدة:

1ـ رغم كثرة دعوات الوسطية والاعتدال والتسامح ونبذ التطرف وتحريم التكفير نجد الممارسات والسلوكيات مناقضة تماما لتلك الدعوات والشعارات حتى من قبل رافعي تلك الشعارات، وكما يقول عبدالله بن بجاد: وما يثير التساؤل: لماذا غيبت مدرسة التيسير والانفتاح عن المشهد الديني المعاصر والذي لا تكاد تعبّر عنه اليوم إلا مدرسة التشدد والاحتياط؟ ـ «الاتحاد» 919 ـ فأين المصداقية؟

2ـ أين دعاة الوسطية والتقارب المذهبي من ضحايا جسر الأئمة في العراق؟! أين دعاة التقارب من العمال الشيعة، ضحايا الكاظمية؟ وزراء الناتو وقفوا حداداً والعالم ندد وعزى وخطباؤنا ما زالوا يدعون للارهابيين في افغانستان والشيشان والعراق بالنصر؟

3ـ مشايخ «حي على الجهاد» غرروا بأولادنا ودفعوهم للهلاك، وقعدوا هم وذووهم هاهنا يجمعون متاع الدنيا؟ حوّلوا ابناءنا إلى جيش للتحرير انتقاماً من المظالم كما تقول وفاء الرشيد، فقتلوا وسجنوا وشردوا بينما المحرضون آمنون ناعمون وقد بدأ بعضهم الآن يتبرأون ويتنصلون!!

4ـ بعد أن أحكم العالم حصاره على الارهاب وحظر مجلس الأمن التحريض وتزايدت الدعوات لمحاكمة دولية لفقهاء التحريض والقتل، ظهرت براعة بعض ممثلي الوسطية والاعتدال في فن المراوغة والخداع، فهم حين يكونون في أوروبا أو المحافل الدولية أو عبر منابرها الإعلامية، يظهرون الوجه الانساني المتسامح المحب للسلام والمحارب للتطرف والمستنكر للارهاب، يقبلون التعددية والديمقراطية وينافسون الليبراليين في قبولهم للآخر المختلف

بل يقولون ان «جنة الله» تسع المسيحيين والمسلمين، حتى اذا انقلبوا الى انصارهم واتباعهم قالوا كلاماً مغايراً، فهناك فتاوى لأهل اوروبا غير قابلة للتصدير، وفتاوى محلية للاستهلاك الداخلي. وكما يقول البغدادي في مقالته ـ يا براغماتيك أنت ـ (ذلك ان هذا المصطلح يقتضي الكذب والنفاق والمداهنة في السياسة الخارجية) «السياسة» 928.

هؤلاء يقولون لأهل أوروبا نحن استنكرنا الارهاب!! نعم استنكرتموه ونسبتموه لليمين الأميركي أو الموساد وبرأتم القاعدة وزعيمها، ويقولون نحن ضد قتل المدنيين ونسوا فتاواهم التي جعلت تفجير النفس فيهم أسمى الجهاد!! بطبيعة الحال نحن لا ننكر أن الآخرين ـ أيضاً ـ يعانون من عدم المصداقية ولكني أزعم أن نصيبنا منها هو الأقل.

كاتب قطري