«الولايات المتحدة تكيل بمكيالين». تعودنا على قراءة هذه العبارة في الأدبيات السياسية العربية وفي تصريحات عدد من المسؤولين العرب. ويمكن القول بلا مبالغة، إن الحد الأقصى الانتقادي للسياسة الخارجية الأميركية في ما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط تحديدا، لن يتجاوز هذا الوصف.صاحب العبارة غير معروف إلا أن المؤكد هو أنها انغرست في الأذهان بحيث يصعب جدا التشكيك بها.
قبل الدعوة إلى مناقشة «الكيل بمكيالين» يفترض ربما تقديم مثال عيني يشرح ما يراد قوله. تمثل قضية انتشار الأسلحة النووية المثارة حاليا نموذجا مفيدا. لو أخذنا النص الحرفي لمعاهدة منع انتشار الأسلحة وأردنا تطبيقه على إيران فإننا سنصل إلى نتيجة معاكسة تماما لما نراه حاصلا أمام أعيننا.
إن المعاهدة، وإيران دولة موقعة عليها،تسمح لإيران بامتلاك التكنولوجيا الخاصة بالدورة النووية الكاملة، وتلزم الدول النووية الكبرى بمساعدتها في ذلك شرط أن تلتزم، أي إيران، بموجبات المعاهدة لناحية الخضوع للمراقبة والتفتيش. والمعروف أن طهران تخضع لذلك ولما هو أكثر منه ممثلا بـ «البروتوكول الإضافي» الذي سبق لها الموافقة عليه والذي يخضعها لشروط أقسى.
وإذا أخذنا النص الحرفي للمعاهدة، أيضا، سنجد أن الولايات المتحدة هي من ابرز الدول التي تخرق بنودها. فوق ذلك تعتزم واشنطن المضي قدما في هذا المنحى عبر العقيدة المسماة «الضربة النووية التكتيكية الاستباقية». يقود ذلك إلى خلاصة واضحة تفيد أن الولايات المتحدة تريد، عمليا، استثناء إيران من إحكام المعاهدة.
أي أنها ترفض تطبيق القانون الدولي عليها وتصر على إخضاعها لقانون خاص لا مرجعية دولية له. وتفيد المعلومات المتوافرة عن الاجتماع الأخير لوكالة الطاقة عن أن واشنطن لجأت إلى أساليب الترهيب والترغيب من أجل الحصول على أكثرية توافق على التحويل اللاحق للملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن.
«الاستثناء الإيراني» هو كيل تكيل به الولايات المتحدة. ولا يتضح معنى هذا الاستثناء وحجمه إلا بالقياس مع استثناء آخر تفرضه الولايات المتحدة فرضا على العالم:الاستثناء الإسرائيلي. لو كانت الدولة العبرية منضمة إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة لكان الاستثناء الإيراني مقبولا إلى حد ما.
ولو لم تكن إسرائيل دولة نووية، باعتراف الجميع، لكان الوضع قابلا للاحتمال . كلا. إن إسرائيل دولة نووية وهي غير منضمة إلى المعاهدة ،ومع ذلك فإن الضغط الأميركي هو العامل الأساسي الذي يمنع مساءلة تل أبيب والذي يوفر لها الحماية السياسية.
وبالرغم من الإدراك العام بأن قوة إسرائيل العسكرية التقليدية تفوق قوة جيرانها، ومع أن هؤلاء الجيران يلحون على إخلاء الشرق الأوسط كله من الأسلحة النووية، فإن واشنطن تفرض على الجميع فرضا عدم التعاطي مع الملف النووي الإسرائيلي.
«الاستثناء الإسرائيلي» هو دليل آخر تكيل به الولايات المتحدة الأميركية وهو على طرف نقيض من مثيله الإيراني. يعني ان واشنطن تضغط لتثبيت استثناءين شديدي التناقض. ينتمي الأول إلى ما سماه محمود احمدي نجاد «التمييز النووي» وينتمي الثاني إلى ما يسمى في أميركا «التمييز الايجابي» أي الحظوظ الإضافية المعطاة من أجل فئات محددة.
وإسرائيل المتمتعة بهذا «التمييز الايجابي» تستطيع القول عبر مندوبها إلى الجمعية العامة لوكالة الطاقة الدولية أن على العرب الامتناع عن المطالبة بإصدار بيان، مجرد بيان، يحذر من تهديد السلاح النووي الإسرائيلي للسلام الإقليمي. فجدعون فرانك يرى انه على العرب رؤية الخطر فحسب من جهة إيران ولا يرضى ولو بإعلان رئاسي يقول غير ذلك.
قد يقول قائل إن المثالين الإيراني والإسرائيلي يجسدان أفضل تجسيد معنى العبارة:الكيل بمكيالين. هذا خطأ، كيف؟ عندما تنظر الولايات المتحدة إلى إيران فإنها تنظر إليها بصفتها بلدا معاديا، متمردا على السياسة الأميركية، مهددا للمصالح الاستراتيجية الأميركية. سواء كان الأمر صحيحا أم لا فإن هذه هي نظرة واشنطن، وهذه هي رؤية جورج بوش الذي وضع إيران في «محور الشر».
وعندما تنظر الولايات المتحدة إلى إسرائيل فإنها تنظر إليها بصفتها دولة صديقة، وحليفة استراتيجية وركيزة أساسية من ركائز السياسة الأميركية في العالم وفي هذه المنطقة الصعبة. يمكن أن نضيف إلى ذلك وزن عقدة الذنب الغربية ودور اللوبي الصهيوني ولكن ذلك لا يفعل سوى تأكيد الحقيقة المشار إليها آنفا.
ثمة تعارض في المصالح بين الولايات المتحدة وإيران، وثمة تلاق في المصالح بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ولذا فإن واشنطن في علاقتها بكل من الدولتين لا تكيل بمكيالين جوهريا وإنما بمكيال واحد اسمه حساب نخبتها الحاكمة للأهداف الاستراتيجية والوطنية الأميركية .إن ما يبدو ظاهريا مكيالين، هو في النهاية مكيال واحد.ويمكن الاستطراد في تقديم أمثلة لا تحصى على هذا التناقض الشكلي الذي يتوحد عند جذر مشترك.
إن الإضافة الضرورية هنا، هي أن الولايات المتحدة تعتبر أن قدرتها على ممارسة هذا «التناقض الشكلي» هو الميزة الرئيسية لكونها «دولة عظمى»، لا بل الدولة العظمى الوحيدة في العالم. لا ترجمة لهذه «العظمة» إلا الاستخفاف بالقوانين الدولية الناظمة لتحديد المواقف والميالة إلى الحد من قدرة دول معينة على قول الشيء وعكسه إذا كان الشيء وعكسه يخدمانها.
كاتب لبناني