رغم كل المحن والاحداث التي يمر بها وطننا العربي، يبقى في العقل مكان لاثارة الثقة في النفس وقدرتنا على تجاوز كل العقبات والصعاب، وان تحدث البعض بلسان اليأس والاحباط والقول باننا لا نملك شيئا لمواجهة المصائب والكوارث التي تحيق بنا.

هذه الثقة مبعثها واحد من الايام المجيدة التي تهل ذكراها الثانية والثلاثون علينا بعد اربعة أيام، عندما استطاع الجندي المصري وشقيقه السوري يؤازرهما الاشقاء في باقي ربوع الوطن العربي يوم 6 اكتوبر 1973 عبور حاجز الخوف والهزيمة الذي حاولت اسرائيل ان تكرسه في نفوسنا، تماما كما يحاول البعض اليوم زرع العجز في نفوسنا، والقول تلميحا وتصريحا اننا امة في سبيلها للخروج ان لم تكن خرجت فعلا من التاريخ!.

في السادس من اكتوبر 73 وبعد ست سنوات فقط من مرارة الهزيمة التي مني بها الجيش المصري ـ الذي لم يعط الفرصة وقتها للقتال ـ، استطاع نفس الجيل الذي كان لايزال في الخدمة العسكرية ان يحقق نصرا باهرا، يصعب ان يتكرر في تاريخ الامم والشعوب التي تحتاج الى جيلين على الاقل حتى تتعافى وتسترد قدرتها على صنع نصر مؤزر على نحو ما جرى، وباعتراف الأعداء قبل الأصدقاء.

لسنا هنا في مقام المناقشات البيزنطية العقيمة التي تثار من عام الى آخرفي مثل هذه المناسبة حول ما اذا كانت حرب اكتوبر بهدف تحريك العملية السياسية، أو ما اذا كان النصر جزئيا، أو حتى كونه ضاع هباء في دهاليز التسويات السياسية العرجاء، لكن كل ما يعنينا هو استعادة اللحظة التاريخية التي أثبتنا فيها اننا قادرون على صنع ما يشبه المعجزة العسكرية والملحمة الوطنية والقومية في الدفاع عن حقوقنا والتصميم على استرداد تلك الحقوق، رغم ان كل المعطيات كانت تقول العكس.

تفاعل الجندي البسيط مع قائده، وانصهر الجميع في بوتقة الشارع الذي تحمل في صبر واناة التضحيات التي خرجت من كل بيت تقريبا في صور الشهداء، والأبطال الذين أبوا الهزيمة وخاضوا معركة راس العش بعد اقل من شهر على هزيمة 5 يونيو 1967، واغرقوا المدمرة ايلات في 21 اكتوبر من العام نفسه، مرورا بحرب الاستنزاف، قبل ان تتوج الجهود بنصر أكتوبر.

نحن أحوج ما نكون هذه الايام الى استرجاع روح التحدي التي ظهرت في اكتوبر، لدرء القنوط والاحباط الذي يأكل من همم البعض منا، وسط الأصوات المذعورة التي تنعق بفقه الهزيمة، والدعوة إلى التفريط في كل شيء، وكأننا لا نستحق ان نكون في أوضاع أفضل.

نعم الواقع الذي نمربه يبعث على الرثاء، ويدعونا للأسف، غير ان هناك فرقاً بين ان نفتش عن العيوب والثغرات، بغية علاجها، وبين بث السموم في النفوس بهدف تحطيمها فلا تقوم لها قائمة، وتلك كانت النقطة الفارقة مع من صنعوا نصر أكتوبر.