نضجت الفكرة القومية في أوروبا فتمخضت عنها الدولة الوطنية ، غير ان هذا التطور لم يؤد إلى أي تغير في رؤية أوروبا لنفسها ، فلم تسمح لغيرها من الشعوب بممارسة هذا الحق بل زاد الشعور بتفوق الجنس الأوروبي ومركزية حضارته. تميزت المرحلة القومية بميزتين كان لهما أثر بالغ النتائج على ظاهرة العولمة فيما بعد:
الأولى تتمثل في اليقين المطلق بدلا من الاعتقاد بحقيقة مركزية الذات الأوروبية ومحورية حضارتها بالنسبة لبقية أجناس البشر. اما النتيجة الثانية فتمثلت في ازدياد التنافس بين قوى المركز الأوروبي سواء من أجل قيادة المركز أو من اجل الانفراد بعولمة الكون نيابة عن الغرب، فأدى ذلك إلى انطلاق الموجة الثانية من الاستعمار والتنافس على مناطق النفوذ.
في هذه المرحلة ظهرت نظرتان: الأولى تنطلق من اعتبار ان كل ما في الكون من ارض وبشر وأشياء هي بمثابة سلع ومواد يحق للغرب امتلاكها والتصرف فيها بالكيفية التي توائم مصالحه فالعالم أو الطبيعة تزخر بالخبرات التي ينبغي استغلالها لصالح الانسانية،
ولكن ثلاثة أرباع العالم تسكنه شعوب متخلفة لا تملك القدرات لاستغلال هذه الخيرات كما انها تمنع في الوقت نفسه غيرها من الاستفادة منها في الوقت الذى تملك فيه أوروبا كل الامكانيات لاستغلال هذه الخيرات ولذا يجب الوصول الى هذه الثروات والسيطرة عليها لمصلحة أوروبا والتقدم الإنساني عموما ومن هنا فان الاستعمار ضروري وحتمي والحرب مشروعة
ولا ينبغي التردد في استخدام كل الوسائل بسبب اى دعاوى انسانية ساذجة مثلما يرى ذلك القومي الفرنسي «الكسي توكفيل» صاحب الكتاب الشهير الديمقرطية في أميركا والذي لا يجد فائدة في التوقف عند تفاصيل العنف الضرورية في حرب الجزائر كحرق المحاصيل والقبض على الأطفال والنساء فهذه ضرورات مؤسفة واى شعب يريد ان يقوم بحرب ضد العرب، يجد نفسه مجبرا على ممارستها.
اما وجهة النظر الثانية فتتبنى فكرة الاستعمار من منطلق تمدين الشعوب المتخلفة حتي يتسنى لها الاندماج في الحضارة والمدنية الغربية والتمتع بشرف المواطنة في الدولة الام. لقد تميزت المرحلة القومية في حضارة الغرب باعتبار كل طرف في التنافس الغربي على احتلال العالم هو الممثل الحقيقي والأفضل لحضارة الغرب والذي ينبغي ان ينشرها على غرار صورته القومية التي تختزل هذه الحضارة فالمفكر «جول ميشليه» الفرنسي
يرى في بلاده تجسيدا مثاليا للكون والدستور الفرنسي نموذجا يحتذى به ولا يمكن ان يقع نزاع بين الوطنية الفرنسية والكوزموبوليتية بالتالي يمكن للفرنسي ان يدافع عن فرنسا وهو يدافع عن العالم في الوقت نفسه ولاشك ان مثل هذه النظرة التي تختزل الكون في الأنا تقودنا إلى نتائج ليس اقلها ان الذات الأوروبية في هذه المرحلة اعتبرت الآخر موضوعا هامشيا عديم القيمة في حالة بقائه على اختلافه ومغايرته
وبما انها في حاجة لرؤية صورتها منعكسة خارجها كوسيلة لاثبات وجودها فان احتفاظ الآخر بغيريته لا يمكن هذه الأنا من رؤية صورتها منعكسة فيه ، لقد جعل التفوق الذي حققه الغرب بفضل ثورته الصناعية، يعتقد بأن لاشيء يقف امام إرادته بما في ذلك اعادة انتاج نفسه من خلال اعادة خلق للآخر حسب قيم ومفاهيم الحضارة الغربية
وذلك حسبما عبر عن ذلك « نيتشه» الذي رأى ان الإرادة لابد لها ان تخرج من ذاتها وان تخلق آخر من نفسها لكي تمتلك ذاتها وتعيد تشكيل نفسها انطلاقا من هذا الآخر . لقد التقت الرومانسية والقومية الغربيتان في تلك المرحلة فشهد العالم اكبر ظاهرة لنرجسية الذات الجماعية .
ولم تكن هذه الظاهرة مقصورة على بلد دون غيره فهذا البارون «اناشارسيس كلوتس» ابن الثورة الفرنسية يرى ضرورة اخضاع البشر جميعا لقوانين الجمهورية العظيمة بينما يثمن اللورد «كوروزون» دور بلاده فيعتبر الامبرطورية البريطانية أعظم أداة للخير شهدها العالم اما «فيخته» فيلسوف الامة الالمانية فلا يرى املا للبشرية في النهوض ما لم تقم الأمة الألمانية بواجبها المقدس تجاه الانسانية
اما الرئيس الأميركي «جون آد مز» الذي لم يكن معاصرا لأى من هؤلاء ولكنه يشاطرهم النرجسية نفسها مع تحفظ واحد وهو ان الجديرة بهذه الرسالة هي الجمهورية الأميركية الفاضلة النقية التي قدرها ان تحكم الكرة الأرضية وتدخل إليها الكمال الإنساني.
تبدو اطروحات العولمة متواضعة في القرن الواحد والعشرين اذا ما قورنت بمثل هذه الطموحات المبكرة التي كشف عنها الارث السياسي والثقافي للمرحلة القومية من عمر الحضارة الغربية فمنطق التراكم والتواصل يبدو صارما الى الحد الذي تتشابه فيه المواقف تجاه الآخرين رغم تباعد العصور وتعاقب القرون.
ادت المرحلة القومية الى اتساع رقعة الاستعمار والى نشر ثقافة الغرب وسيادته السياسية والاقتصادية على العالم وكان ذلك بمثابة الأسس الحقيقية لما ستكون عليه العولمة في ما بعد، فقد تجذرت خلال تلك المرحلة الرأسمالية الغربية وتغلغلت في اقتصاديات العالم وصار هناك ارتباط عضوي بين اقتصاد المركز واقتصاديات الإطراف فترتب على ذلك علاقة تبعية،
كان لها دور حاسم في العولمة الاقتصادية، كما تم تمزيق الأمم الكبيرة وقدم الغرب بدلا عن ذلك مبدأ القوميات للطوائف والملل والعشائر فصارت لها دول وطنية تقاتل بعضها البعض ولا تصلح سوى فضاءات اقتصادية وسياسية دائمة للغرب في عصر العولمة مثلما كانت في عصر الاستعمار.
كاتب ليبي ـ جامعة بنغازي