ثمة من يعتقد أن معركة عض الأصابع بين طهران وواشنطن بدأت تقترب من لحظاتها الحاسمة شيئاً فشيئاً، والملف النووي الإيراني هو ساحة الاختبار الأهم بين الطرفين.فأميركا وإن كانت فشلت في نقل الملف الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي «بضربة واحدة» إلا أنها نجحت في إفساد العلاقة بين طهران والترويكا الأوروبية مفسدة الوساطة التي كانت تقوم بها الأخيرة لوقف التصعيد.
بالمقابل فإن طهران التي استطاعت أن تحرز تقدماً ملحوظاً باتجاه إقناع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأنها لا تملك برامج تسلحية وانها لم تخرق التعهدات أو المعاهدات الملتزمة بها في إطار معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية إلا أنها باتت «مكشوفة» أوروبياً بعدما تقطعت السبل بينها وبين العواصم الأوروبية التي كانت عملياً «تلعب» بورقتها لإثبات حسن نواياها تجاه الأميركيين الذين لا يثقون بطهران مطلقاً فضلاً عن تل أبيب المتحفزة أصلاً لضرب إيران سلمية كانت نواياها أم حربية!
وبالتالي أصبح الملف الإيراني أكثر تعقيداً من ذي قبل. فالوسيط الأوروبي الذي كان يلعب دور «المهدئ» أو «المحلل» باتجاه احتمال إيجاد صيغة توافقية ما أو «زواج مؤقت» بين طهران وواشنطن بات هو بحاجة إلى وسيط جديد ليعيده إلى دائرة الوساطة أو مسرح العمليات الدبلوماسية بعد أن فقدت طهران ثقتها به.
لكن طهران الواثقة من نفسها في عهد أحمدي نجاد أكثر من أي وقت مضى وتتجه بقوة نحو تعبئة الرأي العام الداخلي لما تسميه معركة الإقرار العالمي بحقوقها المشروعة بدورة نووية كاملة، ترى الأمور بأنها ليست بهذا السوء أو التشاؤم الذي يصوره أو يتصوره بعض المراقبين، إذ تقول بأنه «رب ضارة نافعة».
ولعل ما حصل في فيينا مناسبة لنا نحن الإيرانيين لنعود إلى ذاتنا من جديد وننطلق باتجاه إعادة تشغيل كافة نشاطاتنا النووية للأغراض السلمية طبعاً والتي تخلينا عنها طوعاً لنثبت للعالم أمرين وهما أننا قادرون على الصمود والثبات تحت كل الظروف ومهما كانت الصعوبات.
كما اننا قانونيون ونعمل بما تمليه علينا وتمنحه إيانا معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية واضعين بذلك الوكالة الدولية للطاقة الذرية تحت الأمر الواقع من جهة ومطالبين إياها بالقيام بمهامها القانونية التي تتطلب منها ليس فقط السماح لإيران باستئناف العمل بتخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، بل وتقديم كافة المعلومات والمساعدات التقنية اللازمة للمضي قدماً بهذا العمل بنجاح، كما تفيد المادة الرابعة من المعاهدة الدولية التي وقعتها إيران منذ السبعينات.
هذا الكلام يعني بأن طهران التي صبرت على ما كانت تعتبره «تسييساً» لملف قانوني وتقني بالأساس وتحملت سنتين ونيف من أجل الوصول إلى تسوية مرضية مع المجتمع الغربي عبر طاولة الحوار والمفاوضات المضنية، تريد اليوم الوصول إليه عن طريق وضع المفاوضين الأوروبيين ومن وراءهم تحت اختبار الصدقية العلنية والمكشوفة وإخراج اللعبة من عالم أروقة المفاوضات شبه السرية إلى اللعب بأوراق مكشوفة.
وكما قال أكثر من مسؤول إيراني: إذا كنتم تفكرون بتسوية مفروضة تأتي حصيلة عرض عضلات وتهديد وإملاء قرارات، فنحن لها جاهزون! وعندها ليكن في علمكم بأن الزمان قد تغير ولن نعود إلى طاولة المفاوضات «المسيسة» إلا باعتراف وإقرار واضح وشفاف بحقنا بدورة نووية كاملة.وفي حال رفضكم ذلك فإننا قادرون على تحقيق أهدافنا من خلال اختبار معركة عض الأصابع معكم دون الحاجة إلى مساعداتكم.
الوسطاء الجدد أي الروس والصينيون من جهتهم والذين يوصون الطرفين لاسيما الطرف الإيراني بضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات يراهنون من جهتهم على أمرين: أولاً العقلانية الأوروبية التي حرصت ولا تزال على عدم التصعيد مع طهران لأن في ذلك خسارة للجميع وفي المقدمة لأوروبا التي لا تريد تسليم كل أوراق الملف الإيراني بيد الأميركيين،
وثانياً الصبر والهدوء وطول النفس الإيراني الذي لا يرغب في الصدام على شاكلة العراق أو اللجوء إلى الخيار الكوري، وبالتالي إبقاء «شعرة معاوية» مع المجتمع الغربي، باعتبار ان في ذلك منفعة أكيدة أقلها دفع شر المواجهة العسكرية مع «الشيطان الأكبر».
ولما كانت طهران تتجه أكثر فأكثر «شرقاً» في سياساتها العامة مع صعود فريق العمل الجديد، وتعتمد القاعدة الداخلية المجمعة على ملفها النووي «القومي» فإنها ستظل باعتقاد المراقبين تناور بين التصعيد في اللهجة الخطابية والثبات على المبادئ، وبين إبقاء الباب موارباً تجاه الغرب ولكن عبر بوابة الشرق هذه المرة وليس حصراً بالترويكا الأوروبية، كما كان في العهد السابق.
هذه الاستدارة الإيرانية الدبلوماسية شرقاً والنقلة النوعية في الخطاب من أجل استخدام عامل الوحدة الوطنية والوفاق الداخلي المتشكل حول الملف النووي يدفع بالتأكيد إلى مواجهة دبلوماسية إعلامية سياسية متوقعة بينها وبين واشنطن في نهاية العام الحالي وبداية العام الجديد.
إنها لعبة ستكون أشبه بلعبة الشطرنج أيضاً حيث تتطلب كثيراً من الدقة في أية نقلة جديدة من الآن فصاعداً كما تتطلب محاسبة بدقة لعديد من العوامل المتشابكة في تأثيرها على لعبة شد الحبل الجارية بين طهران وواشنطن لن يبقى فيها الملف النووي هو الموضوع الوحيد، بل ستدخل الملفات الساخنة الإقليمية مثل العراق ولبنان وأفغانستان وفلسطين في صلب معركة عض الأصابع المرتقبة.
أمين عام منتدى الحوار العربي ـ الإيراني