فجَّر الرئيس العراقي جلال طالباني خلافه بصورة علنية مع رئيس الحكومة د. إبراهيم الجعفري. أخذ عليه في مؤتمره الصحافي «التفرُّد» في اتخاذ القرارات و«خرق» الاتفاقات والتفاهمات المعقودة بين التحالف الكردستاني والائتلاف الشيعي. ويبدو من المآخذ التي عدَّدها ـ في رسالة سابقة منفصلة ـ أن مسألة مدينة كركوك المعقدة والحساسة، كانت جوهر الخلاف.
لكن بعيداً عن الأسباب ومدى جدارتها؛ فإن هذا التراشق المكشوف يشير، من جملة ما يشير إليه، إلى مدى سرعة عطب الوضع العراقي، كما إلى مدى هشاشة التحالفات وصعوبة تأمين تماسكها، وبالتالي ضعف قدرتها على الصمود في وجه التحديات. فإذا كانت هي غير قادرة على تجاوز مشكلات الشراكة في الحكم، فكيف بها أن تصمد أمام الاستحقاقات المقبلة؛ ناهيك بأكوام الهموم والتحديات اليومية التي يواجهها العراق، في أمنه وحياته وعلاقاته الداخلية والجوارية.
وما يزيد من خطورة هذا التفجير أنه يأتي في وقت يتفاقم فيه التردي الأمني، حيث تستفحل موجة العنف الدموي، مع كل ما يرافقها ويتمخض عنها من التهابات مذهبية، يُراد من تأجيجها إشعال نار الفتنة، التي تتواصل التحذيرات من الوقوع في مصيدتها، والتي جاء في إحداها أن هذه الحرب لو اندلعت فإنها «ستذهب بالملايين وليس بالآلاف من الأرواح، ناهيك عن الخراب العمراني»!
يُضاف إلى ذلك أن الإعلان الصريح عن غياب التوافق بين الرئاستين جاء عشية الاستفتاء على الدستور. وهو بحد ذاته مادة خلافية عميقة، تهدد الساحة العراقية بالمزيد من التأزيم والتدهور. فالتوقيت بحد ذاته، لهذا التطور، لا بد وأن يؤدي إلى تعقيد الأمور أكثر مما هي معقدة. كما لا بد وأن يؤثر في الأجواء العامة والمعنويات الهابطة أصلاً، لدى جمهور العراقيين.
العراق يعاني خلطة تنوء من تحتها الجبال: انهيار أمني، انفلات العنف الدموي العشوائي الذي يحصد الناس بالجملة، ارتفاع منسوب الاحتقان السياسي، تفاقم التأزيم المذهبي؛ فضلاً عن استفحال ظاهرة الميليشيات المسلحة. وفوق ذلك كله يأتيه التفجير السياسي ـ الذي يبدو من لهجة الخطاب بأنه مفتوح على التصعيد الذي يهدِّد بالدخول في نفق الفراغ، أو في أحسن الحالات في نفق المزيد من الصراعات والتجاذبات ـ الذي يصبّ،
بحكم المعطيات القائمة على الأرض، الزيت على نار التفتيت والتذرُّر للتركيبة العراقية، ويعطي شحنة إضافية تعزِّز ثقافة المحاور الفئوية ـ العراقية ـ الطائفية؛ في حين ان المطلوب هو نقيض ذلك بالتمام. فالبلد لديه فائض كبير من هذه الثقافة ولم يعد يحتملها، إذا ما كان العزم، لدى كل الأطراف المعنية، معقوداً على تجاوز العقبات مهما كانت قاسية، في سبيل إنقاذ العراق.