في مصر التي تتململ ديمقراطيا، أحاديث في الشأن الداخلي هي أقرب لردود الافعال منها الى طرح البدائل والافكار السياسية لكن هذه الاحاديث هي المقدمات نحو قيام مجتمع مدني مصري افتقد إلى حاسة النطق بعد ثورة 23 يوليو، وإشاعة مواقف النظام وسياساته على أنها غير قابلة للنقد، وترسيخ أسس نظام شمولي شديد القسوة يقايض الأمن بالولاء ولا مجال فيه للمعارضة.
المجتمع المدني المصري هذا ظل ينمو على محرم الثورة الذي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه وعلى محرمات يوليو والناصرية التي اعتبرت اعتناقها من شروط الطهر الوطني والهجوم على ما عداها من صلب متطلبات النضال.
رافق هذه الدعاوى ما يرافق عادة دعاوى كل نظام شمولي أي أعلى الصوت في اتجاه العدالة الاجتماعية وإلغاء الفوارق بين الطبقات وتأميم الملكيات الخاصة وعائدات القطاع الاهلي ومصادرة الاملاك والاراضي والعقارات وإلى ما هنالك من اجراءات تكفلت باحتكار الدولة للملكية ومصادرة المجتمع المدني وتحويل عناصره البشرية الى طاقة صراخ هائلة فاقدة الوعي على أوضاعها المعيشية وإيقاعها اليومي المفروض أن يكون مستطردا مع النماء والحركة والتطور.
الرئيس حسني مبارك الذي أثار الاحاديث في المجتمع المصري الراكد والتي أسماها حراكا سياسيا، تصدى لهذا التخلف السياسي وجعل الافق أمام المصريين مشهدا ساطعا.
الاحاديث تقول أن الرئيس مبارك لا يحق له الكلام عن الاصلاح ولا إطلاق الوعود باعتباره رئيسا قديما تم اختباره في السلطة زهاء الربع قرن وإن أحاديث الاصلاح والتغيير تكون من حق وجه جديد يأتي إلى الرئاسة في مناقشة هذا الجانب يمكن احتساب ولايات الرئيس مبارك السابقة في عداد نظام يوليو وفي سياق الجمهورية المصرية الاولى.
وكان في أيام تلك الولايات يمثل أفكارا لا تتساوى في أوزانها مع موروثات الثورة وما أشاعته من أوهام عن العدالة الاجتماعية وعن الدور الدعائي للدولة الذي أنتج عطالة سياسية ومجتمعا مدنيا راكدا تعلوه رواسب الشعارات وتستبد به روح الهتاف..
لم يكن الرئيس مبارك قادرا على الاقتراب العلمي من المسألة الاقتصادية وكان كلما أراد المساس بالقطاع العام المرهق للموازنة العامة والخاسر قامت عليه قيامة الديناصورات والتكفيريين وهم عادة أمهر الناس في تجهيز التهم والقول ان القطاع العام هو ملكية الشعب وهو ثروته وإن المساس به سيهدم صروح العدالة الاجتماعية وسيترك الناس للحاجة والفقر.
وكان الرئيس مبارك كلما حاول الاصلاح الاقتصادي عن طريق التخصيص وإعادة القوة للقطاع الاهلي كي يأخذ عن كاهل الدولة أثقال التوظيف كان يتهم بالخضوع للاقتصاد الرأسمالي الغربي وبالتالي الجنوح للخيانة الوطنية..
لم يقدر الرجل في ولاياته السابقة إلا ان يكون جزءا من الماضي الممتد في الحاضر للجمهورية المصرية الاولى.. ورغم ذلك حاول الى ان جاءت الفرصة التي أطلقها لتعديل المادة 76 من الدستور المصري بما سمح باجراء انتخابات رئاسية وفق أساس تعددي وصورة تنافسية.
وكان بهذا الاجراء قد أعلن بداية عهد الجمهورية المصرية الثانية التي يحكمها رئيس منتخب من الشعب بالتصويت المباشر، هنا يكون الرئيس مبارك هو مبارك الجديد بعد أن كان في السابق وريثا لعهد ناصري ساداتي يعاني من تراكم المفاهيم المغلوطة.
الآن لا يستطيع صوت أن يعلو على صوت رئيس منتخب وبالاعتماد على الشعب نفسه أصبح بإمكان مبارك ان يباشر عهده الجديد والفرصة سانحة الآن لأن ينطلق في مجالات الاصلاح الاقتصادي الكاسح ولأن يعيد بناء القطاع الاهلي ولأن يلغي مفهوم ان المعارضة تقول ما تشاء ويفعل هو ما يريد كدولة ونظام.
الفرصة سانحة الان لأن تعاد صياغة مفاهيم المجتمع المصري الموروثة كلها في اتجاه تضافر الشعب والدولة هذه المرة من اجل تأمين حقوق التعليم والصحة وفرص العمل وليس شيئا آخر مما كان مألوفا ألا وهو الهتاف والعودة الى المنازل حيث القدور خاوية والبطون فارغة والايام كلها مفتوحة على البطالة وضيق العيش.
بهذه الضرورات المهمة يبدأ حساب رئيس الجمهورية المصرية الثانية حسني مبارك إذ ما قبل هذه الجمهورية كان الحساب واجبا لعهود سابقة نجحت في إثارة الضجيج وفشلت في تأمين رغيف الخبز وفتحت أبواب المستقبل على الهجرة والاغتراب.