قبل أن تطلق حركة «حماس» صواريخ «القسّام» على بلدات اسرائيلية في اعقاب انفجار جباليا المثير للجدل، كان هناك قرار اسرائيلي معلن، وبأعلى الاصوات وبنبرة تهديد قوية، بأن اي عنف فلسطيني ضد اهداف اسرائيلية مهما كان محدودا او ضئيل الاثر من حيث الخسائر المادية او البشرية سترد عليه القوات الاسرائيلية بشدة وبعمليات عسكرية قاسية، أو قاصمة وحتى قبل حادثة جباليا المأساوية، فإن الجيش الاسرائيلي اغتال عددا من الناشطين والابرياء على حد سواء، في بلدة علار القريبة من طولكرم دون اي استفزاز فلسطيني مسبق.
ولا مجال الان، بعد ان اخذت الحكومة الاسرائيلية زمام الرد بيدها، وسلمته لقواتها وطائراتها لتغتال وتدمر كما تشاء، لا مجال لتقرير المسؤولية او عدم المسؤولية بشأن انفجار جباليا، وارتباطه باطلاق صواريخ على سديروت وغيرها من التجمعات الاسرائيلية، فما وقع قد وقع بالفعل، ويجب اخذ العبرة والدروس المستفادة منه حتى لا يتكرر مستقبلا - لا سمح الله - بكل ما نجم عنه من خسائر وتبعات، وتفسيرات لم تكن مطلقا في مصلحة الشعب الفلسطيني.
والمهم بالدرجة الاولى بعد ان نفذت اسرائيل تهديداتها وما تزال مصرة على استمرار اعتداءاتها، دون اي مبرر او مسوغ ان يتم توفير الاليات والظروف والضغوط العربية والدولية الكفيلة بوضع حد لموجة العنف الاسرائيلي، التي زادت عن كل حدود المعقول، وكان دافعها غرور القوة، واستعراض العضلات العسكرية على شعب اعزل، كل هدفه هو تحقيق تطلعاته المشروعة في الحرية والاستقلال وانهاء الاحتلال والاستيطان.
وقد كانت زيارة الرئيس محمود عباس لمصر، واجتماعه مع الرئيس حسني مبارك وكبار مساعديه، نقطة انطلاق مناسبة لتحريك الطاقات العربية والدولية، لا سيما وان الشقيقة الكبرى مصر لعبت دورا هاما في تسهيل عملية اخلاء قطاع غزة، من الناحيتين السياسية والامنية، وبإمكانها اعتمادا على ثقلها الاقليمي والدولي وقنواتها المفتوحة على الولايات المتحدة واسرائيل نقل وجهة النظر الفلسطينية واعطاؤها زخما وتركيزا وفعالية قد لا تتوفر للصوت الفلسطيني المنفرد، وسط ضجيج الدعاية الاسرائيلية المغرضة، التي قد تجد صدى مقبولا في بعض العواصم العالمية.
والمطلوب في هذه الاونة الحرجة، من كافة الاشقاء العرب والاصدقاء في هذا العالم، حشد جهودهم لوقف الهجمة الاسرائيلية الشرسة على المدن الفلسطينية في الضفة والقطاع، ووضع حد لسياسة الاغتيالات المستهدفة والاعتقالات الكيفية واسعة النطاق التي طالت مئات المواطنين الفلسطينيين، لغايات واهداف لا علاقة لها على الاطلاق بما وقع في قطاع غزة، بل انها تصب جميعا في ظاهرة التدخل الاسرائيلي المرفوض في الشؤون الداخلية الفلسطينية وتحديدا الانتخابات التشريعية ومحاولة حرمان حركة «حماس» من المشاركة فيها.
وليست مصر وحدها القادرة على التدخل الفعال لانهاء هذه الازمة الخطرة: فهناك اشقاء عرب بامكانهم التحرك في هذا الاتجاه وخصوصا الاردن الشقيق، الذي لا نشك في انه يقوم بدور مؤثر لانهاء المعاناة الفلسطينية وإعادة عملية السلام الى مسارها الصحيح المتمثل في تنفيذ بنود خطة خريطة الطريق لتسوية الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وارساء دعائم الاستقرار والرخاء في المنطقة بأسرها.