عكست نسبة التأييد العالية لميثاق السلم والمصالحة الوطنية في الاستفتاء الذي أجري في الجزائر الشقيقة أمس الأول، الحاجة الماسة للشعب الجزائري لطي صفحة الماضي المؤلمة، حيث شهدت البلاد خلال الأعوام الثلاثة عشر الماضية موجة عنف رهيبة، راح ضحيتها نحو مائة وخمسين ألف قتيل وآلاف المفقودين، بالإضافة إلى الخسائر الكبيرة التي لحقت بالمجتمع الجزائري على مختلف الأصعدة وعطلت مسيرة التنمية والتقدم.

إن تصويت نحو 97% ممن شاركوا بالاستفتاء ب نعم للمصالحة الوطنية، يؤكد أن الجزائريين وصلوا إلى قناعة راسخة بعبثية استمرار مسلسل العنف والقتل، ويعكس إرادة الشعب في وضع حد نهائي للأزمة الطاحنة التي طال أمدها، وكان ثمنها باهظا، داخليا وخارجيا، حيث انعكست الأزمة سلبا على سمعة الجزائر الخارجية.

ولعل الأمر المهم الذي يمكن قراءته في نتائج الاستفتاء، ان الأزمة التي تعاني منها الجزائر منذ عام 1992 ليست مجرد حالة أمنية واقتتال بين السلطة وجماعات متطرفة، بل ان جوهر الأزمة سياسي ويسجل للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة انه وصل إلى هذه النتيجة واتخذ قرارا حكيما، بالبدء بمعالجة الأزمة سياسيا، حيث لا يمكن للإجراءات الأمنية وحدها أن تستأصل الطرف الآخر، وتنهي العنف والإرهاب، ومنذ أن طرح قانون الوئام حقق بوتفليقة خطوات لافتة على طريق تحقيق المصالحة الوطنية.

وكانت نتيجة الاستفتاء تفويضا إضافيا للرئيس الجزائري، للاستمرار باتخاذ ما يلزم من إجراءات وتشريعات لتضميد جراح الماضي، ومعالجة النتائج الاجتماعية والإنسانية التي أفرزتها أحداث العنف، وبضمنها التعويضات المعنوية والمادية لأسر الضحايا ومعالجة ملف المفقودين، والعفو عن الملاحقين والمطلوبين الذين لم يرتكبوا جرائم بحق الأبرياء.

كما أن فتح صفحة جديدة يتطلب المضي قدما بتعزيز الحياة الديمقراطية، لكي تستوعب مختلف التيارات والقوي التي تنتهج العمل السياسي السلمي وتنبذ العنف والإرهاب ذلك ان الجزائر بحاجة إلى جهود جميع أبنائها، لكي تعوض سنوات قاسية عاشتها وتكريس كل الطاقات للبناء والتنمية واستعادة دور الجزائرالعربي، بعد أن شغلتها حقبة العنف ولا يسعنا الا ان نبارك للشعب الجزائري بهذا الانجاز ونرجو أن يتواصل النجاح في تنفيذ ميثاق المصالحة.