لمدى أكثر من سبعة قرون لم يكن لبريطانيا دستور يحكم مؤسسات السلطة وينص على الحقوق الأساسية للمواطن مثل سائر الديمقراطيات المستقلة. ومع ذلك كانت بريطانيا المثال النموذجي الأعظم للقيم الديمقراطية وفي مقدمتها سيادة القانون. الآن لم يعد الأمر كذلك. فبريطانيا تنزلق سريعاً على طريق دكتاتورية مدنية لا تختلف جوهرياً عن نماذج العالم الثالث البغيضة.
أنظر في القصة الآتية:
لطفي الرايسي جزائري يعمل طياراً مدنياً في بريطانيا. في مناخ الهستيريا الذي أفرزته هجمات 11 سبتمبر 2001 على نيويورك، وواشنطن تتلقى المباحث البريطانية رسالة سرية من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي مفادها أن الرايسي ربما يكون مشتبهاً به في إعطاء دروس في الطيران لأربعة من منفذي الهجمات.
لم يكن مكتب التحقيقات الأميركي واثقا من معلوماته. ولذا فقد شدد على المباحث البريطانية ان تتعامل مع الأمر بأعلى درجات الحذر.. فلم يكن هناك أدلة قانونية يعتد بها ضد الطيار الجزائري. مع ذلك تعاملت المباحث البريطانية مع الرجل وكأنه من عتاة الإجرام.
توجه فريق أمن نحو شقة الرايسي غرب لندن.. واقتحموا باب الشقة بقوة. ومع تصويب مسدس إلى رأسه اقتيد وهو عار في سيارة للشرطة. في غياب أدلة قانونية كان المنتظر ألا يستغرق احتجاز الرايسي أكثر من خمس دقائق من الاستجواب، لكن الاحتجاز دام لخمسة أشهر.وأخيراً عندما قدم الرايسي إلى محكمة أمر القاضي بإطلاق سراحه رافضاً الأدلة المفتعلة التي عرضتها المباحث.
نظرياً فإن من المفترض أن يكون الطيار الرايسي سعيداً بعد أن أثبت القضاء براءته، لكن الأمر في حالته ليس بهذه البساطة، فأي شركة جوية يمكن أن تستخدم طياراً عربياً مسلماً ارتبط اسمه بهجمات إرهابية استخدمت فيها طائرات مدنية؟
هكذا يدمر المستقبل المهني للطيار الشاب الرايسي.
لكن ما جرى للطيار الجزائري جرى أيضاً للمئات من الشباب المسلمين المقيمين في بريطانيا أو حتى الذين يحملون جنسيتها بعد أن أنتهت سيادة القانون في تلك الديمقراطية النموذجية الرائدة بعد سريان القوانين الاستثنائية التي ابتدعتها حكومة توني بلير. والتي تجعل رجل الشرطة في مرتبة أعلى من القاضي.
لمدى قرون ظلت الديمقراطية البريطانية تعمل بلا دستور مكتوب لأن مؤسسة السلطة كانت تلتزم بتراث من التقاليد والقيم تقدس سيادة القانون. لكن يبدو الآن أن الحكومة قررت استغلال غياب الدستور لتنسف تلك التقاليد والقيم عن طريق إطلاق يد الشرطة.وهكذا ـ وللأسف ـ تتلاشى مكانة «بريطانيا العظمى».
وأخطر من ذلك أن المجتمع البريطاني يسير في اتجاه فتنة عنصرية فالفلسفة الأمنية للحرب ضد الإرهاب التي ابتدعها بلير تقوم ضمناً على سياسة تمييزية ضد الجاليات الإسلامية والعرب مما ينذر بتحويل التنوع الثقافي والعرقي في المجتمع البريطاني من نعمة إلى نقمة.