كلما هلّت ذكرى رحيل أو ميلاد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر أو ذكرى ثورة يوليو 1952 يتسابق بعض الكتّاب والمهتمين بطرح السؤال المعتاد والتقليدي في هذه المناسبات وهو «ماذا تبقى من جمال عبد الناصر أو ماذا تبقى من ثورة يوليو».وكأن الرجل أو الثورة بنيان أثري بدأ في التآكل كلما مر عليه الزمن وما هي إلا سنوات معدودات وينهار تماماً ويندثر ويصبح أثراً بعد عين ولذلك يتساءلون ماذا تبقى؟
السؤال - في رأيي - يعكس حالة الكسل العقلي أحيانا التي تصيب بعض الكتّاب ولا يحاولون حتى ممارسة رياضة ذهنية أخرى لإبداع أسئلة جديدة حول أفكار جمال عبد الناصر وتجربته.وحتى نسأل ماذا تبقى علينا أن نسأل أولاً عما حدث وتحقق من أفكار بعد عبد الناصر.هل تحققت مبادئ العدالة والحرية التي نادى بها لأمته ولكل شعوب العالم الثالث أم أن طغيان دول الشمال الغني ساد العالم أجمع وليس العالم الثالث فقط وزاد توحشه وسيطرته على ثروات ومقدرات العالم الفقير الذي ازداد فقرا.
هل أصبح العالم يعيش في سلام أم أن سباق التسلح يستحوذ سنوياً على أكثر من تريليون دولار مقابل مساعدات ضئيلة للدول الفقيرة لا تزيد على 15 مليار دولار؟وهل تحقق الاستقلال السياسي والاقتصادي الذي كان مشروع عبد الناصر نحو التنمية الوطنية الحقيقية وسعى إلى جعله واقعاَ معاشاً أم أن الأمة الآن تسير في ركب التبعية والاستعمار.
هل نعيش حلم الوحدة العربية والسوق العربية المشتركة والكيان الموحد مثلما العالم الآن قد تحول إلى تكتلات اقتصادية وسياسية حولنا ونحن نعيش في كانتونات مقفلة كأشلاء ممزقة؟هل توفرت الحياة الكريمة للفقراء كما كان يتمناها ويعمل على تحقيقها أم أن هناك الآن بعض الدول العربية يعيش فيها أكثر من 50% من شعوبها تحت خط الفقر بعد أن استولى على الثروة حفنة من أصحاب النفوذ والسلطة؟
ثم هل تحققت العدالة الاجتماعية في توزيع الدخل القومي وإحداث التوازن بين شرائح المجتمع وعلاقات العمل الدافعة لقوى الإنتاج للتطور ومواكبة ما يحدث في العالم من تطور علمي وتكنولوجي؟وهل تمتعت الأمة بالاستقلال والحرية بعد عبد الناصر الذي رحل عنا والدول العربية تتمتع باستقلال عن الاستعمار القديم أم أن الاستعمار قد عاد من جديد بل ويتهمنا بأننا نقض مضاجعه
ونزعجه ونفتح عليه حدودنا لمقاومته حتى حركات التحرر الذي رعاها عبد الناصر في الستينات أصبحت مثيلاتها الآن محاربة ومضطهدة ومطاردة ويطلق عليها الآن حركات «إرهابية».وهل استمرت حركة عدم الانحياز وهو أحد مؤسسيها العظام قوية متماسكة أم أن دولها أصبحت الأكثر انحيازا للدولة العظمى الوحيدة في العالم الآن إلا قليلا منها؟
الأسئلة كثيرة ورغم سنوات الغياب فإن أحلام الأمة في التحرر والاستقلال الوطني والتنمية المستقلة لم تتحقق بعد و«الطريق الثالث» الذي شقه عبد الناصر ما زالت الشعوب المضطهدة تتطلع إليه..كل ما نتمناه أن تهل الذكرى في السنوات المقبلة والأمة تتحدث عن مشروع جديد للنهضة أيا كان هذا المشروع ناصري أم غير ناصري ليس هذا هو المهم الآن
وإنما المهم هو البحث عن طريق للخلاص سواء كان طريقا ثالثاً أو رابعاً.ما فعله عبد الناصر كان اجتهاداً من زعيم ضحى الكثير من أجل أمته وبذل العرق والدم والعمر من أجلها فصنعت زعامته وخلدته وبادلته حبا ووفاءً بلا حدود.
Asanhory2003@yahoo.com