تجلب دورة التاريخ أيام سعد وأيام نحس على الأمم. وحتى الآن، فإن السنوات التي انقضت من هذا القرن الـ 21 الجديد شهدت في معظمها عناوين تبعث الكآبة في النفوس، وعندما بدأ الناس في كل مكان بالاستمتاع بمرحلة الصفاء الجديدة بعد نهاية الحرب الباردة بين السوفييت وأميركا، حتى راحت الصين تزحف الآن الى الساحة العالمية كخصم سياسي مستقبلي محتمل لأميركا.

من يخشى من صين متدنية الانتاجية؟ بما ان تعداد سكان الصين أكبر بكثير من تعداد أميركا، وبما ان المستقبل الذي ينتظرها مستقبل طويل جداً، فإن جميع العقلاء في كل مكان يجب ان يبدأوا الآن بالسعي لتكريس علاقات ذات منفعة ثنائية بين الصين وجميع البلدان الأخرى.

ومن موقعي كاقتصادي، لابد لي من الإشارة أيضاً إلى أن مستوى المواهب العلمية بين الصينيين مرتفع جداً. وفي الواقع انه قبل الألف الأولى للميلاد كان متوسط الناتج المحلي الإجمالي «للفرد» في الصين أكبر مما كان عليه في أوروبا الغربية. لكن لا أحد يبقى في القمة طويلاً. وبعد الصين جاء دور هولندا.

ثم بعد ذلك، وبعد القفزة الكبيرة التي حققها اسحق نيوتن في الرياضيات، زحفت انجلترا الى المقدمة، وبقيت في القمة من حدود عام 1600 إلى 1900، عندما أفل نجم امبراطورية الملكة فيكتوريا أمام توهج طفلتها الكولونيالية ـ أميركا.ليس هناك خط منطقي واضح يضبط حركة التاريخ.

فلو منح أعضاء برلمان الملك جورج الثالث أبناء عمومهم في العالم الجديد كل الحريات التي يحظى بها الرجل الانجليزي الحرّ، لربما بدا العالم مختلفاً جداً جداً الآن في القرن الـ 21.من المؤكد أن تفوق أميركا على بريطانيا (أو فرنسا أو ألمانيا) لم يكن أصلاً في الرياضيات. فالثورة الصناعية عالية التقنية ـ المحرك البخاري، المغازل الأوتوماتيكية وماكينات النسيج ـ استوردناها نحن الأميركيين من أوروبا.

وفي وقت لاحق، تم تحويل الكهرباء والاتصالات اللاسلكية، التي وضع أسسها النظرية العلماء الانجليز والألمان، إلى أدوات ربحية مهمة في أميركا القرن التاسع عشر. ولقد كان هنري فورد وجون روكفيلر وآندرو كارينجي رجال أعمال مبدعين وجادين ولم يكونوا أكاديميين. وانغمست أميركا في الثقافة الجديدة لبيئة الأعمال التنافسية.

(والمفارقة هنا أيضاً أن بذور الرأسمالية التنافسية نشأت من جامعات اسكتلندا وأسواق مانشستر وبيرمنغهام). وأصبح حرفيو أميركا الأذكياء مخترعين عظماء. وكما كان اليابانيون في أواخر القرن العشرين، كنا نحن أعظم مقلدين وناسخين ومحسنين لاختراعات الآخرين.

إن علم الاقتصاد مادة سهلة في واقع الأمر، لأنه يعرف كيف يحسن مشكلاته. أما الجيوسياسة وعلم الاجتماع والقوميات والعلوم الجنائية فهي مواد صعبة إلى درجة تبعث على اليأس. دعونا نجري مقارنة موضوعية هنا. برغم فقاعة سوق الأسهم التي تبعها انهيار بعد تفجر الفقاعة. فإن المخرجات الاقتصادية العالمية نمت باطراد من 1995 إلى 2005.

وهذه المخرجات نمت بوتيرة أسرع، وليس أبطأ في المناطق الأفقر بشرق أوروبا وغرب آسيا. هل جاء هذا على حساب معدل نمو الاقتصاد الأميركي في الفترة بين 1995 و2005؟ كلا. فالنمو في أميركا ظل يتأرجح عموماً بين معدل 2 بالمئة و5 بالمئة سنوياً. وبالمقارنة مع معدلات البطالة في كل من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، فإن معدل البطالة في بلادنا لا يتجاوز نصف متوسط معدلات البطالة في تلك الدول.

خلال الحرب الباردة، كان الاقتصاديون المتحزبون في الأمم المتحدة واليونيسكو والبنك الدولي يتحدثون عن «ثلاث طرق اقتصادية»: الأولى هي طريقة السوق الأميركية، الثانية الطريقة الشيوعية لستالين، كاسترو، ماو وكوريا الشمالية، والثالثة هي طريقة تيتو اليوغسلافية التعاونية.

لكن هذا لا يعني أن بإمكاننا الحديث عن انتصار «الطريقة الأميركية». فطريقة السوق ليست مدموغة بعبارة «صنع في أميركا». وطريقة السوق تأتي في أشكال متعددة.النهاية لا تبدو في المستقبل المنظور، بطبيعة الحال فالسعي لتحويل الشرق الأوسط إلى ديمقراطيات تسودها حرية المعتقد هي مشكلة بلا حل. وليس بوسع أي منظر إيجاد حل لمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل النووية.

خدمة «لوس انجلوس تايمز»

خاص لـ «البيان»