بعد سنوات طويلة من الجفاف والجوع والعطش والتوحش والبشاعة واللاشعور.. جاءت سيدة ذات ثوب فضي .. وصوت مائي.. وحزن سامي.. اسمها الحرية.. جاءت بشحمها ولحمها.. بحسنها وظلالها.. وعندما هبطت مطار القاهرة لم يسحبوا جواز سفرها.. لم يفتحوا ملفها .. لم يبقوها طويلاً.. وابتسم ضابط الجوازات مرحبا: «تفضلي يا سيدة نساء الدنيا».

كنا قد ظللنا نحضر روحها.. ونتخيل صورتها.. ونتغزل في محاسنها.. ونقدم لها قرابين دامية مصنوعة من حروفنا وكلماتنا والبلاغات والقضايا التي تطالب بحبسها معنا.. واللكمات والطعنات الموجهة إلى صدورنا لعلها ترضى أن تأتي إلينا وتمكث بيننا.

بعد لحظات قليلة من وصولها نهض كل شيء من مكانه ومشى وراءها.. المسجد.. الكنيسة.. الصحيفة.. رغيف العيش البلدي.. مرايل البنات المدرسية.. نظرات الحب المرتعشة تحت قبة الجامعة.. وأيضا.. التجار.. وسماسرة البورصة.. وانصاف الموهوبين .. وبائعو الأوهام.. وأبطال الأنابيب.. والمصابون بجنون العظمة الذين يتصرفون وكأن الدنيا تبدأ عندهم.. وتنتهي عندهم.

وراحت الحرية ترش ماء الزهر على وجوه الجميع ليصحوا من غيبوبتهم.. وبدأ الزمن يتكون من جديد.. وبدأت أعمارنا تتكون مرة أخرى.. وعدنا صغارا بين يديها. .والصغار هم أكثر خلق الله قدرة على التمرد والتجاوز وتكسير ما حولهم واللعب بكل ما تطاله أيديهم وتقمص دور الكبار ورسم شوارب كثيفة فوق شفاههم وإطلاق لحية وهمية مرسومة بالحبر والفحم.

لقد كان الوطن يتيما.. فأخذته الحرية بين ذراعيها.. كان محطما فلملمته بيديها.. كان يرتعش من الخوف فوضعته في عينيها.. كان جاهلا بأصول التعامل معها فلم تتردد في ان تبدأ معه بكتاب القراءة الرشيدة..وأصول التعامل.. وقواعد الذوق..وعندما قالوا لها: «إن ذلك يحتاج دهراً» ـ قالت: «الصبر مفتاح الفرج..والطريق الطويل يبدأ بخطوة واحدة».

في شرفة فندقها المطل على النيل راحت تقرأ صحفاً تعرفها وصحفاً لا تعرفها.. صدرت في غيابها.. ولم تسمع عنها من قبل .. أحياناً كانت تستعيض.. وأحياناً كانت تنبسط.. وغالباً ما كانت تركز فيما تقرأ.. وعندما قال لها الجرسون وهو يصب لها الشاي: «إنها فوضى نخشى عليك منها».. قالت «إنها فوضى سيتبعها نظام.. وغضب سيتبعه تفاهم..وجنوح سينتهي الى استقرار.. وسذاجة ستصل بعد قليل من الوقت إلى الحكمة..

رشفت قليلاً من الشاي وأضافت: «إن حبس الكتاب في الأقبية والممرات والدهاليز القديمة شحنهم بكميات كبيرة من السموم والصديد.. تجمعت في دمائهم وأقلامهم خلال فترة الحصار النفسي والسياسي الذي فرضه الكبار على أجيال شاء حظها العاثر أن تولد بعدهم.. حرموها من التنفس..والتفتح.. وكسروا نفسها..

وهشموا موهبتها.. فظهرت على من ورثوهم أعراض التسمم.. ظهرت على شفاههم وأفكارهم وأوراقهم ومقالاتهم.. سواء كانوا مؤيدين لأمر واقع يجب تغييره أو رافضين له دون ان يملكوا بديلاً .. ان ضغط الدم المرتفع مرض.. وضغط الدم المنخفض مرض.. وكل منهما قد ينتهي بموت المصاب به».

وسألها الجرسون الشاب الذي تخرج في كلية الحقوق ولم يجد عملا سوى تقديم الطعام والشراب لغرباء عليه ان يبتسم في وجوههم: «لكننا لا نفهم الصح من الخطأ.. ولا نعرف الحقيقة من النميمة.. فكل حروف الطباعة متشابهة».. قالت «الناس أيضاً في حاجة إلى بعض الوقت كي تتعود على ضوء الشمس بعد ان بقوا طويلا تحت الأرض..

إن الجاهلية لا تتبدد بمجرد ان تأتي الحرية.. ولن يختصر فترة العتمة سوى الشفافية.. في العتمة نمت الفاشية.. والطائفية.. والسطوة المركزية.. ونمت الوحشية .. والفردية.. والأنانية.. والأمراض النفسية والسياسية.. فكيف يمكن ان نشفى من كل هذه الأمراض بمجرد ان نستدعي الحرية؟».

وسكت الجرسون الشاب..وبدت في عينيه أسئلة حائرة.. هائمة.. فشجعته على النطق بها.. قال: «إنني مع كل جديد يغني حياتي ويضيف إليها تفاصيل ملونة مبهجة كانت غائبة.. انأ مع الحياة كنهر دائم التدفق والفيضان.. ومع الإنسان في تجاوزه المستمر لنفسه.. ومع كل التحولات التي تحدث في عقل هذه الأمة.. وفي قلبها.. لكنني أشعر ان كل من يعبر عن نفسه من الكتاب يتصرف وكأنه الوحيد الذي على حق والباقي على ضلال.. يكتب وكأنه الوطني الوحيد والباقي خونة وعملاء..

يتكلم وكأنه الحكيم الأوحد والباقي جهلاء.. إن ذلك ما كان يفعله الاستعمار الذي قرأنا عنه في كتب التاريخ.. فقد كان يغسل دماغ الشعوب التي يحتلها ويعطل ذاكرتها.. بحجة ان ماضيها كله مقبرة.. أو مزبلة.. ان الاستعمار الآن هو استعمار وطني.. والمثير للدهشة انه يستخدم اسمك وصفتك وبطاقتك الشخصية في كل ما يفعل وكأنه وحده الذي حصل على توكيل منك.. بصراحة كانت حياتنا بدونك اهدأ وأوضح.. ليتك ترحلين عنا.. لقد تعبنا من وجودك».

ابتسمت دون انفعال وكأنها اعتادت ان تسمع مثل هذه الشكوى في كل بلد تسافر إليه ثم قالت: «إنك يا ولدي تتحدث عن مشوهي الحرية.. ولا تتحدث عن أنصارها.. فالذين يتمسكون بما كان يخشون على أنفسهم من الهواء.. والذين يكسرون كل شيء بدعوى التجديد والتغيير وإثبات الذات هم مرضى في حاجة إلى مزيد من الرعاية والعلاج.. وحالات ازدهار الكتابات المفخخة هي حالة مؤقتة.. مثل حالة النهب التي تجرى باسم الرأسمالية..

ومثل حالة القتل الجماعي التي تنفذ باسم الشرعية الثورية.. ومثل حالة البلطجة التي تنفجر باسم العدالة.. ومثل حالة النسف والتدمير التي تحدث باسم التغيير.. لقد خرجت من الصدور الضيقة قنابل ساخنة. تقضي على الثقة في كل شيء.. حتى شعرنا أننا لقطاء في وطننا.. وان ماضينا ليس أكثر من مجموعة من البقايا والخرائب والأنقاض.. إن غالبية ما قرأت هو سفر بين موتين.. ورقص فوق هاويتين..

وهو أمر متوقع في غياب القواعد والأصول التي اختفت من كافة نواحي الحياة.. من إشارات المرور إلى علامات الكتب.. ومن احترام القانون إلى احترام الرأي الآخر.. ومن الحفاظ على المال العام إلى الحفاظ على الذوق العام.. إن ما نقرأ هو انعكاس للواقع وصورة في المرآة .. طبق الأصل منه».

قال الجرسون الشاب: «أنت أيتها المرأة الجميلة اكبر مما تصورت.. وأعقل مما تخيلت. دخلت عليك مجنونا وسأخرج عاقلاً.. دخلت عليك رملا وسأخرج من عندك شجرا.. دخلت عليك وأنا لا أتردد في أكل لحم البشر وسأخرج من عندك شاعرا مهذباً..

انك مثل حكومة الظل.. تقدم للوطن المكسور عكازين.. عكازا من الصبر.. وعكازا من الحكمة.. ولم يبق سوى ان يمشي عليهما». قالت وهي تنظر إلى مركب صغير يشعر بالأمان في حضن النيل: «صب لي فنجاناً آخر من الشاي فإقامتي هذه المرة ستطول.. لابد أن تطول».

كاتب مصري