إن الزمن قادر على تغيير الإنسان واتجاهاته، وربما قناعاته الفكرية، وذلك حسب الثقافة السائدة، ومتطلبات الحياة الطاحنة. بالأمس لاحظ الجميع ان هنالك هجوماً عشوائياً، من قبل أبناء مجلس التعاون، والأخوة العرب، على التسجيل في شركة جديدة، هي شركة دانة غاز. آلاف البشر، الجميع، يسعى إلى أن يحصل على جزء من أسهم هذه الشركة. وهذه الظاهرة مجازاً هي تظاهرة، أو مسيرة سلمية لتحقيق الربح السريع.
الجميع دون استثناء، يسعى وبكل الطرق، للحصول على جزء من هذه الجائزة الكبرى. ربما كان ذلك سلوكاً طبيعياً أمام الإغراءات التي صورتها لهم أجهزة الإعلام، عن سهولة تحقيق حلم وردي، أن تصبح مليونيراً بأقل مجهود. فما عليك إلا أن تفترش الأرض فجراً، وتكون أول من يجتاز أبواب البنوك في الصباح الباكر، وبعد ذلك يحلها ألف حلال.
هذه الحالة تؤكد على أن السلوكيات الرأسمالية، أصبحت جزءاً أساسيا، في حياة الإنسان القادم من الصحراء، مما يعني أن تغيراً حقيقياً، قد أخذ مكانه، في المنظومة الاقتصادية، لدى المواطن العربي. وأن الحلم، الذي كانت تسعى إلى تحقيقه الكثير من القوى السياسية، ببزوغ عصر الازدهار والتحرر، والقضاء على الفقر والعوز، وحياة يعمها الرخاء في عصر الانفتاح والتحول، من القطاع العام، إلى القطاع الخاص، لم يكن حقيقياً.
عدت إلى قراءة كتاب عادل حسين، «الاقتصاد المصري من الاستقلال إلى التبعيةس، والصادر في سنة 1981، لأدرك حجم الكارثة التي يمر بها الإنسان العربي. فالمقارنة بين ثلاث مراحل، مرت بها المجتمعات العربية، تبين حجم التراجع في ما تقدم الحكومات لمواطنيها.
أننا نعيش في مرحلة شوهت الرأسمالية ملامحها، بكل ما تحمله الكلمة من معان!، وأي تشويه أكبر من أن يترك الإنسان العربي، الأعمال المنتجة، والتنمية الحقيقية، ليقضي سحابة يومه، بعيداً عن الإنتاج الحقيقي، الذي تحتاجه أوطاننا، التي تغص بالعمالة الأجنبية، من جميع أصقاع الأرض.
في هذه اللحظة، وبعد جولة سريعة، في عالم الصحافة، عبر الانترنت والمحطات الفضائية سواء في عالمنا العربي، أم العالم الغربي، أدركت ان الأمور تسير بشكل غير عادي، وغير منطقي تماماً. ففي العالم الغربي، وخاصة في الدول الرأسمالية، لا يمكن أن تسير الأمور بهذه الطريقة،
وأدركت كيف ولماذا قامت، تلك الدول الغربية، بشن الهجوم المسلح العنيف، على مصر في سنة 1956م، ضد ذلك الإنسان، الذي أمم قناة السويس، ذلك الزعيم، الذي رأى، حين ذاك، أهمية امتلاك الأمة لاقتصادها الوطني. كان ذلك التحالف بين إسرائيل وفرنسا وبريطانيا، الأخيرتان، هما اللتان، هيمنتا على خيرات الوطن العربي، لمدة تزيد على القرن من الزمن،
فيما الأولى، إسرائيل، هي الدولة التي أقيمت لتقف حائلاً أمام أية تنمية عربية حقيقية، وأمام قيام أي مشروع وحدوي حقيقي. وهذا الموقف، ليس جديداً على الغرب، فلقد عملت الدول الغربية، على إفشال مشروع محمد علي، في القرن التاسع عشر، بالامتداد نحو المشرق العربي، عندما أحبطت حملة ابنه إبراهيم على سورية.
وكم كان موقف الولايات المتحدة الأميركية رائعاً في تلك الأزمة!!، عام 1956، هكذا خيل إلينا آنذاك، ولكن الأيام أظهرت، أنها كانت تعمل جاهدة على إنهاء الاستعمار الكولونيالي القديم، لتفسح المجال أمام وجودها الأمبريالي، الذي بدأ باكورة أعماله للسيطرة على العالم، بالتآمر على ثورة محمد مصدق، في إيران، وإجهاضها. وما زلنا نراه يعبر عن نفسه إلى اليوم بمزيد من التركيز للسيطرة على العالم.
اليوم نمر بذكرى رحيل آخر الزعماء العرب في نهاية الستينات، جمال عبدالناصر، إنسان عادي من عائلة بسيطة، أدرك منذ كارثة 1948م، أن الحل لقضية العرب الأولى، أو بالأحرى لبناء مشروع النهضة العربية، لا بد أن يتم من خلال إعادة ترتيب الأوراق سواء المحلية أو الإقليمية، والعالمية منها بشكل جديد.
لا بد من مجانية التعليم، ولا بد من ثورة في الزراعة والصناعة والتجارة، وحتى في التحالفات السياسية، وإعادة الثقة للإنسان، فهو وحده القادر على تحقيق المعجزات. كان ذلك الحلم الجميل هاجسه، لإعادة الحياة للجميع، شعوباً وحكاماً. وأدرك ذلك الإنسان القادم من الريف، أن حياة المدن تحمل الكثير من التناقضات، بين قيم مختلفة، وخطط مختلفة، حاول أن يحقق حلم الإنسان بحياة كريمة، سواء في المشرق العربي، أو المغرب العربي.
ولم يكن يتصور في يوم من الأيام، أن هنالك من يحاول أن يهدم حلمه في وطن واحد من المحيط إلى الخليج. لقد سخر كل الطاقات، (سواء كان مخطئاً أو مصيباً)، لتحقيق مشاريع من سبقوه في الوحدة، والكرامة للإنسان. إن المشاريع الطموحة لا يمكن أن يقوم بإنجازها فرد واحد، مهما كانت قدراته، ومهما كانت تأثيراته على الجماهير.
كان يعتقد أن الجماهير التي تستمع إلى خطبه، في كل مكان، حتى في سكمكم، تلك القرية النائية في الإمارات، أو بغداد، أو غيرها من المدن العربية، لا يمكن أن تنساه. إن ما يجري الآن، يؤكد على أن الذاكرة الشعبية، ضعيفة جداً، فقد مرت الذكرى الخامسة والثلاثون لرحيله، كأي يوم عادي، حتى أن مناسبة الذكرى السادسة، لانتفاضة الأقصى، مرت مرور الكرام.
كلنا يعرف أن آخر المؤتمرات التي حضرها، الزعيم جمال عبدالناصر، كانت لوقف تداعيات كارثة سبتمبر الأسود، في الأردن، حينما حاولت بعض فصائل الثورة الفلسطينية، أن تكون دولة في الدولة.كان إعلان وفاة جمال عبدالناصر، بداية لمرحلة جديدة، أدركها الغرب، قبل أن يدركها العرب، أعلن الغرب، حين ذاك، احترامه لعدوه، لأنه كان الزعيم الذي يستحق الاحترام، بدون منازع.
سيبقى أبو خالد، رمزاً من رموز قليلة، حاولت أن تضع العرب والمسلمين، على خارطة العالم، فهو الذي حاول مع قيادات تاريخية أن يجد موضع قدم للعالم الثالث، ضمن منظومة ما كان يسمى، دول عدم الانحياز، وهو الذي أرسل بعثة سرية، لمعرفة احتياجات أبناء ساحل عمان في الخمسينات، وهو الذي دفع حياته ثمناً لنزع فتيل الحرب بين العرب.
هو ذلك الإنسان الذي أحبه الإنسان البسيط، صائد الأسماك في الخليج، والمثقف في المغرب. عذراً أبا خالد، فهذه أمة، لا تحترم قياداتها التاريخية، إلا إن ما يشفع لها، أن البطانة لعبت دوراً في محاولات النيل من ذلك الرمز، رحم الله كل من حاول أن يزرع شجرة للمقاومة ولإنسان جديد.
رئيس وحدة الدراسات ـ البيان
Almutawa_mohammed@hotmail.com