تجاوزت الجزائر أمس واحدة من أهم مسوغات طي صفحة الحرب الأهلية الدموية التي أسفرت عن مقتل ما يربو على ال200 ألف شخص بدءاً من عام 1992 حتى نهاية القرن العشرين. وإذا كانت نسبة إقبال الجزائريين في التصويت على استفتاء ميثاق المصالحة الوطنية والعفو عن المتشددين (الإسلاميين) التي طرحها وسعى لها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة قاربت على ال80 في المئة بأغلبية مؤيدة للميثاق.
فإن ذلك يعني أن الحكومة الجزائرية ستصدر عفواً عاماً عن آلاف المطلوبين ممن كان الخيار لديهم محدوداً بين الاستمرار في نهج الإرهاب أو الوقوع في قبضة الحكومة وهو ما يعني العقوبة القصوى بلا أدنى شك. أن يشعل الرئيس بوتفليقة شمعة في طريق الوئام وقيادة البلاد إلى بر الأمان والسلام أفضل بكثير من الركون إلى اعتراضات بعض جمعيات حقوق الإنسان التي رأت أن الميثاق هو محاولة من الحكومة لتبرئة نفسها من الانتهاكات التي ارتكبتها قواتها أثناء الحرب الأهلية
أو حجج بعض فئات المعارضة الجزائرية التي قوقعت المشروع برمته إلى سعي بوتفليقة لدعم سلطته وتمهيد الطريق من أجل تعديل دستوري يسمح له بالحصول على فترة رئاسية ثالثة في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى عام 2009، فالخاسر طيلة فترة العنف
وما سمي بالعقد الأسود في الجزائر هم الجزائريون واستمرار الوضع على ماهو عليه سيدفع ثمنه الجزائريون أيضاً ولإنهاء المأساة لابد من بعض التضحيات وربما الكثير من تجاوز النظرات الضيقة إلى مصالح متحققة أو قد تتحقق هنا أو هناك.
والآن وبعد أن انتهت المرحلة التي سعت إليها إدارة الرئيس بوتفليقة طيلة أشهر مضت والمتمثلة بالإعداد للاستفتاء على ميثاق السلم والمصالحة الوطنية منح الشعب الجزائري تفويضه للبدء في سن التشريعات التي تجعل من مبادئ وأهداف هذا الميثاق فعلاً واقعاً ينهي مآسي وآلام وأحقاد امتدت إلى أكثر من عقدين من الزمن.
الحكومة الجزائرية التي ذكرت أنها ستشرع في إصدار 20 نصاً قانونياً للتكفل بمختلف الفئات ذات العلاقة بالميثاق سواء من التائبين (المتشددين) من العناصر المسلحة وعائلاتهم وأيضاً عائلات ضحايا الإرهاب وحتى أفراد قوات الأمن المتهمين بارتكاب تجاوزات،
مطالبة بالعمل الجاد وفتح آفاق التواصل مع جميع الأطراف لأن في ذلك الكثير من دعائم البناء السليم ومنع واحد من أهم مسببات نشأة ونمو الإرهاب الذي لا يمكن أبداً أن يقضى عليه بالبندقية وحدها بل بمنع أسبابه وحماية المواطنين من الانجراف نحوه من خلال تحقيق العدالة الاجتماعية وفتح الأبواب للحوار الوطني البناء بين جميع الفرقاء.
لقد برهن الشعب الجزائري الشقيق أنه ملّ كل مظاهر العنف والقتل والدموع وحان وقت نسيان الماضي والعمل على بناء المستقبل الذي سيرفل بظلال أمنه جيل عانى وجيل يأمل الجميع أن يولد ويترعرع في جو من السلام والأمن والإبداع.