هناك ثلاثة أحزاب على الأقل تحمل اسم «حزب الأمة».. وثلاثة أحزاب أخرى على الأقل تحمل اسم «الاتحادي الديمقراطي».هذا التشظي كان حتمياً وقدراً مقدوراً لأن الزعامة التقليدية المخضرمة في الحالتين فقدت البوصلة السياسية وبالتالي فقدت حسن الاتجاه، ومن ثم أصبحت لا تعرف ما تريد على وجه التحديد.

حتى هذه اللحظة وبعد مرور ثمانية شهور على توقيع اتفاق نيفاشا للسلام بين حزب «المؤتمر الوطني» الحاكم و«الحركة الشعبية» الجنوبية لا يعرف أي من الصادق المهدي أو محمد عثمان الميرغني، ما إذا كان يؤيد هذا الاتفاق أو يعارضه.. فكل منهما يؤيده ويعارضه في آن.

إنهما يؤيدان الاتفاق لأنهما يريان فيه أنه يضعف قبضة «نظام الإنقاذ» على الحكم وثانياً لأنه يفتح مجالاً للمزيد من الحريات.. وثالثاً: لأنه يتضمن موعداً (بعد أربع سنوات) لإجراء انتخابات عامة برلمانية ورئاسية. وفي الوقت نفسه فإنهما يعارضان الاتفاق لأنه لا يسمح لحزبيهما بالمشاركة في الحكم إلا بنسبة ضئيلة ومهينة.

وهكذا اتسم مسلك كل من هذين الزعيمين بعد دخول اتفاق نيفاشا بداية مرحلة التطبيق بالاضطراب والتناقض.. والاستجداء. فبينما ينتقدان الاتفاق لطبيعته الثنائية مطالبين بعقد مؤتمر دستوري جامع لإدخال تعديلات على الاتفاق تضفي عليه صفة قومية شاملة، فإنهما في الوقت ذاته يهرولان سراً وعلانية نحو التفاوض الانفرادي مع الحزب الحاكم بكل دوافع شهوة المشاركة في السلطة. وهكذا يتأرجحان ما بين طلب الحكم وممارسة المعارضة في وقت واحد.

من هنا كان تشرذم الحزبين الكبيرين. فالزعيمان لا يملكان رؤية استراتيجية ولا دليلاً أيديولوجياً ولا حتى برنامجاً لسودان المستقبل. وهكذا دخلت العناصر القيادية في كلا الحزبين في تسابق محموم نحو غنائم السلطة في تنافس مع بعضهم البعض.. ومع الزعيمين الكبيرين. وربما ينتهي الأمر بالمهدي والميرغني أخيراً إلى الاقتناع بدور المعارضة على أمل اكتساح الانتخابات العامة عند نهاية السنة الرابعة للمرحلة الانتقالية.

لكن هنا يبرز سؤال: هل ستكون هناك انتخابات عامة؟!كأن حزب «المؤتمر الوطني» و«الحركة الشعبية» الجنوبية أدركا مسبقاً وهما يرسمان بنود اتفاق نيفاشا أنه ليس من مصلحتهما التعرّض لامتحان انتخابي باعتبار أن كلاً منهما لا يمثل سوى أقلية في الشمال أو الجنوب.

فالمؤتمر الوطني ليس حزب أغلبية في الشمال.. و«الحركة» لا تمثل في الجنوب سوى قبيلة واحدة (الدينكا). من هنا فإن الفصل الخاص بالانتخابات في اتفاق نيفاشا، إذ ينص على إجراء الانتخابات بعد أربع سنوات من التطبيق فإنه ينص أيضاً على أنه يجوز لطرفي الاتفاق «مراجعة جدوى هذا الموعد»!

وهكذا قد يستمر لعب الحزبين الكبيرين في الوقت الضائع إلى أجل غير مسمى.فهل يدرك كل من المهدي والميرغني أنهما لا يلعبان خارج الميدان فحسب.. بل أيضاً خارج الزمن؟ وهل يدركان بالتالي أن «حزب الأمة» و«الحزب الاتحادي الديمقراطي» بحاجة إلى إعادة إنتاج.