أدلى الجزائريون أمس بأصواتهم في الاستفتاء الثاني في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي يهدف هذه المرة إلى غلق كل فصول المحنة التي عاشتها الجزائر طوال عقدين من الزمن في ما اصطلح على تسميته بـ «المأساة الوطنية»، في محاولة لطي هذه الصفحة الدموية من تاريخ البلاد التي تحولت القرى النائية فيها إلى ما يشبه المسلخ في بعض مراحل وسني الأزمة.
الرئيس بوتفليقة يراهن على أن إقرار قانون السلم والمصالحة الوطنية سيدفع بعجلة الاقتصاد والتنمية ما يحقق الرخاء للمواطنين وينسيهم تاليا تلك السنوات السود، وهي مهمة يكاد يكون الرهان عليها ضربا من المستحيل خاصة أن أعداد الأسر المتضررة كبيرة، والأمر لا يتعلق فقط بقتلى ومذبوحين بل بمفقودين لا تزال عائلاتهم تنتظر أخبارا عنهم، وربما تتوقع عودتهم، فهؤلاء الذين ينتمون إلى هذه الفئة تبدو إمكانية قبولهم لقانون المصالحة صعبة،
خاصة وأن المتهم في التسبب بهذه المعاناة هي الدولة ورجال الأمن الموكلة عليهم مهمة الحفاظ على أرواح الناس وتوفير الطمأنينة لهم. وهذا ما يفرض على الدولة الجزائرية مهمة ملحة بالتزامن مع إقرار قانون المصالحة إذ يتوجب عليها تدشين حملة لبناء الثقة بين المواطن والسلطة وخاصة أجهزة الأمن.
كما أن هناك تخوفا يمكن تفهمه، من قبل الأحزاب السياسية الناشطة في منطقة القبائل وهي أن الرئيس بوتفليقة قد يستغل التفويض الشعبي «لاتخاذ ما يلزم من تدابير» في تثبيت نفسه في موقع الرئاسة لولاية أخرى على خلاف ما ينص عليه الدستور، فضلا عن مخاوف من سن قوانين تقيد حرية التعبير وتكبل المعارضة.
هذه المخاوف مشروعة، ولكن حالة الديمقراطية التي تعيشها الجزائر تجعل الأمر صعبا ومستحيلا أمام أي نوايا من هذا القبيل، وهي تعتبر ضمانة لالتزام الرئاسة أو الجيش بالإرادة الشعبية والتي ترفض أي محاولة لفرض أمر واقع عليها دون رغبة منها.
وهكذا، فالمصالحة ضرورية حتى تضمد الجزائر جراحها، ولكن وجود المصارحة بين السلطة والمعارضة يبدو أكثر إلحاحا حتى تؤتي المصالحة الثمار والنتائج المرجوة حتى يمكن اجتياز المرحلة الصعبة، وهو ما تفتقده الحياة السياسية في الجزائر، إذ أن سوء الظن هو سيد الموقف وهو ما يعطل الكثير من المبادرات.
ومن الضروري أن يفتح الرئيس بوتفليقة مع المعارضة، عقب الاستفتاء، حواراً شفافاً يقرب فيه وجهات النظر بعيدا عن مبدأ من ليس معي فهو ضدي، فمعارضة الأحزاب للمشروع المستفتى عليه تنبع من رفض لجزء من المبادئ التي يستند إليها المشروع
ولا تعني بالضرورة رفضا للسلم الأهلي والمصلحة، فهي هنا تبدي مخاوف من أن ينجو من تلطخت يده بدماء الأبرياء من جريرة ما فعل، بل يستفيد من قانون البراءة حتى يبقى في مواقعه ويتنعم فيها، وربما يتسلق في يوم ما سدة الحكم.
nidal@albayan.ae